مدونات

فلسطين أمل وقصاص بينما التّطبيع هوان لـ«القطيع»

تُنتهك حرمة المواطن العربي ليس من باب البصق على وجهه، ولكن من باب الضرب على قفاه السّياسي، لم يعد ذلك الإنسان الذي يشكل المضمون السّياسي في الشعب، لأنّ أنظمة الذل والعار تعتبره قطيعًا لا يصلح سوى للسوق، تسوقه الأهواء التعريضية للصّهاينة والأمريكان، ليس لشيء سوى لأنّ هذه الأنظمة ماركات مسجّلة في حسن الاستخدام والسّمع والطاعة لقوى الهيمنة التي تتحكم في العالم منذ الثنائية القطبية والحرب الباردة ومرورًا بالنّظام العالمي الجديد والعولمة ووصولاً إلى عالم يتوافق ليصبح كتلاً قوية جاذبة، تؤثر بقوّة على كل الكيانات الضعيفة التي لا مكان لها في عالم ينتج عناصر قوّته وإمكانه المادي والمعنوي الذي يتيح له تطبيع العلاقات واستخدام الدول “القطيع” لتحقيق أحلامه التوسّعية الاستيلائية على مقدّرات الشّعوب ووعيها.

لم يكن الذي وقع في 15 سبتمبر 2020 بالحدث الذي يمكن لأي عربي ومسلم وحرّ من أحرار العالم أن يتقبّله أو يتجرّع مرارته بسهولة، لأنّ الذي حدث ليس مجرّد تطبيع العلاقات أو محض بنود تنازلت فيها دول العار والخيانة للأمّة وللتّاريخ وللدين عن شخصيتها وكرامتها لمن خرّب الديار وشرّد الأحرار في المنافي والمعتقلات، إنّ ما جرى أمام عدسات الكاميرا العالمية يعكس مدى الهوان الذي وصل ببعض الأمّة إلى أن تنسلخ من هويّتها، وتتنكر لعروبتها ودينها وتمضي ناسية أو متناسية أنّ الفلسطيني أخ في القومية والدّين يتطلّب منّا أن نكون معه بالقلب والوجدان وذلك أضعف السياسة في ميزان التكافل والتضامن لرفع العدوان.

كيف توضع الخطط وتُضمر النيات لأجل مدّ أواصر “الود” مع الصّهاينة لخنق الفلسطينيين واللعب على وتر تحقيق السّلام واسترجاع الحق المسلوب؟ كيف يمكن أن تجمع طاولة الاتفاقيات المخزية بين أراذل الإنسانية الذي يركبون دبّاباتهم لحظة عربدة تلعب فيها كأس برؤوسهم، ويروحون يدمّرون حضارات عريقة عراقة الإنسانية في التاريخ بدعوى نشر الدّيمقراطية، ففي اللحظة التي كانت تمتد الأيادي البحرينية والإماراتية كما مُدّت أياد قبلها، كان الفلسطيني في غزّة يرزح تحت نير الحصار، وأخوه في الضفّة يعاني من المضايقات ومن ظلم الجدار، أي اتفاق هذا الذي يجعل للسّلام معنى بديلًا في غير موضعه، لا سلام مع قوّات الاحتلال الغاشمة المهيكلة لكيان عسكري كلّ من فيه ليس مواطنًا بل جنديًا في الاحتياط، وكذلك كان بن غوريون وغولدا مائير وناحوم غولدمان وفلاديمير غابوتنسكي وآخرون، جميعهم نظّروا لعسكرة الكيان الصّهيوني المحتل. أي سلام يُرتجى من هكذا شرذمة لا ترنو سوى إلى الدّم والمجازر واستيطان متكرّر للأراضي الفلسطينية؟

شكر وزير خارجية الإمارات رئيس وزراء الكيان الصّهيوني على إيقاف ضم الأراضي في الضفّة، وكأنّ الإيقاف منّة من المعتدي، وهو بهذا جعل الاستثناء قاعدة، أي لابد من رجاء المعتدي كي فقط لا يستمر في اختراق الأرض والاستيلاء عليها، ولا نبالي بأنّ مجرّد الجلوس معه هو اعتراف له بكينونته الغاصبة التي بدأت منذ كامب ديفيد وتكرّست في أوسلو. القاعدة أنّنا نواجه طمعه ونوقف زحفه ونعمل على تحرير الأرض كامل الأرض من دنس هؤلاء البشر الدّمويون، لكن كيف استطاع هؤلاء عبر تطبيع العلاقات نزع برقع الحياء من على وجوههم وتحدّوا وجدان الأمّة وأجّروا ضمائرهم وسخّروا حبرًا مستلاًّ من غبائهم ليعترفوا بــ “شعب بلا أرض” يعاني عقدة “الانتشار” و”التيه” في العالم، ولا تنفصل هويته عن الدول التي قدم منها. أي نظام هذا الذي يعتبر مجهول الهوية إلا من حيث الدّين الذي “صهين” هويته انطلاقًا من أن يصبح دينه هو جنسيته. لا يستقيم الوضع العقلاني الذي يدير ماكينة التفكير في أن يتم الاعتراف بعصابات استقرّ أمرها على تدبير أمر السّطو على التاريخ الفلسطيني بليلٍ حالك الظلمة.

في البند الثاني من اتفاقية أبرهام وتحت عنوان مبادئ عامّة، ورد: “يسترشد الطرفان في علاقاتهما بأحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي”. وقليل من العقل يبيّن أنّ هذا الغاصب كيان عنصري وذلك ما يؤكده القرار 3379/1975 والقاضي بأنّ “الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”.. أي ميثاق وأية مبادئ تلك التي يتم الاسترشاد بها مع كيان عنصري، إنّ أبسط المبادئ ترفض الاحتلال وترفض العنصرية!

إنّ المبدأ الذي ينطلق منه المُطبِّع سواء عرف ذلك أم جهله هو الانبطاح، لأنّ ذئب السياسة إنّما يأكل من غنم “القطيع” الشاردة، ولهذا لا يعتبر التطبيع مبدأً ثابتاً في السّياسة الدولية، فهو لا يكاد يذكر في الاتفاقيات الدولية، ولولا الكيان الغاصب الذي يروم أن ينفتح عليه مجاله الجغرافي المحيط به والذي يُعتبر في عرف العلاقات الدولية والضمير العربي عدوّاً له وغريباً عنه، لأنّ جذر الكيان الغاصب، إن كان له من جذر، يعتبر دخيلًا ومُغِيرًا على فضاء تاريخي لشعب عريق عرف بــ “شعب الجبّارين”.

لكن هل هذا آخر المطاف؟ طبعًا لا، وألف لا، وشعب ينتج عقولاً في رجاحة وإبداعية عقول فصيل مقاوم من فصائل الجهاد ضد الغاصب المحتل كــ “حماس”، لحريّ به أن يبقى مفتوح الوعي على أمل لا ينقطع أبدًا، هذا زيادة على أنّ الدين يحرّم اليأس على أمّة كل زادها هو الأمل في الله.

إنّ هؤلاء الذين ظن الكيان الغاصب أنّه بإحكام الإغلاق عليهم في غزّة بتواطؤ مع أنظمة عميلة قد يمنعهم من أن يبدعوا أسلحتهم، أو أنّهم سوف يموتون، هو واهم لا محالة، إذ نهضوا ونظروا في مرآة حالهم ووضعهم السياسي والأمني وراحوا يجمعون كل مخلّفات العدوان على غزة وجعلوا منه أسلحة أقضّت مضجع الصّهيوني في عقر مستوطنته، وراحوا يبحثون في أعماق بحر غزة ليصلوا إلى مخلفات باخرتين منذ الحرب العالمية الأولى مسترجعين صواريخها ومتفجّراتها، وأحالوا الغنيمة الحربية على مصانعهم المتواضعة لتخرج إلى الأرض أسلحة فتاكة تصدّ وتجبر العدو على الاستجداء ومحاولات الإغراء بإلغاء الحصار والعيش في البحبوحة مقابل نزع سلاح المقاومة.

لكن هؤلاء الذين يعيشون وفق استراتيجية الأمل في الله وفي قوّتهم الذاتية لا يمكن أن يتنازلوا عن ماء وجوههم ويركعوا تحت أحذية المحتل الغاصب. إنّ مفهوم التطبيع عندهم هو إعادة الوضع إلى طبيعته المتساوقة وكرامة الإنسان وعزمه على عدم التفريط في حقّه مهما طال الزّمن، وذلك بإرضاع الأطفال حب الأرض وكره الصّهاينة وليس التودد إليهم.

لقد أحيت الأمل الشابّة التونسية ذات السّبع عشرة ربيعًا “مريم الطرابلسي” بقصيدتها “إلى مزبلة التاريخ” بمناسبة تطبيع العلاقات العربية والإسرائيلية من دولتي الإمارات والبحرين في قلوب الملايين من العرب والمسلمين، ليس لأنّ الكلمات كانت قويّة وقادرة على صنع الأمل والرّغبة في البصق على وجوه من تخلّى وتنازل، ولكن لأنّها أنثى في عمر الشباب ما زالت غضة العود لكنّ حب فلسطين تملّك عليها وجدانها وشعورها ففقهت معنى الخيانة وقذارة الغدر بالقضية وبالشّعب الفلسطيني. وغير بعيد في هذا المنحى خروج الشّعوب العربية مندّدةً باتفاقيات العار المتتالية من دويلات خليجية.

لن يموت الأمل في أمّة مهما تقسو عليها الظروف الداخلية والخارجية فإنّها تبقى على العهد، مانحةً حياتها لأجل أم القضايا “تحرير فلسطين”، لأنّ فلسطين عربية، ولأنّها إسلامية وحاضنة للأديان، وأيضًا لأنّ الإنسان العربي يعتبر عمقه الوجداني وهويّته التّاريخية في فضاء الصّحراء التي أنتجت ميلاد الأمكنة وميلاد وعيه بالمجال الحيوي الذي رأى فيه جذوره منذ أوّل تمرة جادت بها نخلة في صحراء العرب.

اقرأ أيضاً: صوت فلسطين: مهجة المنكوبين الذي سبح عبر الأثير ليسكن القلوب

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق