ثقافة وفنون

فكرة “ثنائية الانسان” عند جان جاك روسو

يتناول هذا المقال فكرة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حول ثنائية الإنسان، وما يتفرع عنها من مفاهيم مثل الحرية ومفاهيم ميتافيزيقية وأخلاقية أخرى.

حرية الاختيار

كتب روسو يقول: “لا وحدة في الإنسان. أريد ولا أريد. أشعر في آن أنني حر وأنني مقيد. أرى الخير، أحبه ثم أفعل الشر.. وما يحز في قلبي عند الانزلاق هو أنني أعلم أني كنت قادرا على الصمود”.

يرى روسو أن الإنسان حر فاعل ويملك حرية الاختيار والتمييز. ما يحفز تلك الإرادة الحرة جوهر إنساني غير مادي، أي لا يتأثر بعوامل خارجية، وهي غير قابلة للتجزئة.

“يا أيها الإنسان، إن شيئا ما في ذاتك يروم إلى الانفلات من القيود التي تكبلك. إن الكون بكل ما فيه لا يسعك، عواطفك، همومك، كبرياؤك، كل ذلك عائد إلى جوهر مغاير لجسمك الضيق الذي تشعر فيه أنك سجين”.

حرية المرء مشروطة باختيار الصواب، والأمر الصائب هو ما يجلب الخير للإنسان. لا يمكن الحديث عن الحرية عندما نختار الشر. سعى روسو إلى تبرير القضية الأخيرة بالقول أن هنالك جوهرين: جوهر يتأثر بالمؤثرات الخارجية بشكل متبادل، وهو يخضع للأهواء وحين أطاوعه فإنني أخضع لتلك المؤثرات. هذه الأطروحة تتناغم مع فلسفة روسو في الحرية. لكن كيف نميز بين الخير والشر؟ المعيار عند روسو هو الضمير الذي هو فطرة طبيعية أصيلة، وهو ما يجعلنا نندم عندما نرتكب الشرور، وهو متأصل فينا كحب الذات.

الحياة بعد الموت

إن روسو براجماتي فيما يتعلق بالحقائق الدينية، مثل الحياة بعد الموت: “يموت الجسد ويضمحل. في حين أني لا أتصور ذلك بالنسبة إلى كائن عاقل. فأفترض أنه لا يفنى. وبما أن هذا يواسيني ولا يصدم عقلي، فلماذا لا أتعلق به؟”.

أي يمكن أن نستخلص التالي من هذا الموقف: عندما يتساوى أمامنا خياران في احتمالية صوابيتهما، فإن من الأفضل أن نختار الأنفع لنا. يتقارب هذا الموقف مع رهان باسكال إلى حد كبير. وهو عبارة عن حجة مبنية على الاحتمالات النسبية واستخدمها بليز باسكال للاحتجاج بضرورة الإيمان بوجود الله على الرغم من عدم إمكانية إثبات وجوده أو عدم وجوده من خلال العقل. وفيها استنتج باسكال أن الخيار الأفضل هو الإيمان بوجود الإله وذلك لأن هذا الخيار يقدم لنا الربح الأكبر، بصرف النظر عما إذا كان الله موجودا حقيقة أم لا.

إن الإيمان عند روسو يخدم النفس وسعادتها. وجدير بالذكر أن روسو كان قد رفض جميع الشرائع الدينية التي يصفها بأنها “تزيد الأمر غموضا”. ويضيف بأن “الرب قد قال لنا كل ما أراد قوله”. بالتالي لا حاجة لنا بالأديان المتعددة والمعقدة: “ما إن أنطق البشر الخالق حتى أنطقه كل واحد على هواه. لو اكتفوا بما أملاه الخالق على قلب كل فرد، لوجد على الأرض دين واحد”. وهذا بالنسبة إلى جان جاك روسو هو دين الفطرة.

اقرأ أيضا: “عقيدة قس من جبال سافوا” مناقشة لأفكار روسو “الدينية”

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.
زر الذهاب إلى الأعلى