مدونات

فقه التحريم

الفقيه الذي أرتجي بَركتَه لم ألْمَحْه حين دخل الجامع ببلْغته، بل لم أرَه قط، عرفتُه فقط من خلال كتاباته على مواقع الويب ودروسه المصورة على الفضائيات. يسميه أتباعه أسدَ السُّنّة. وإن كنتُ لا ألْمَس فيه سُنة المبعوث رحمة للعالمين، فلقَب الأسد ينطبق عليه، ولَعلَّه ينتمي إلى طائفة ذَوِي اللسان الطويل التي تتمتع بِخاصِّيتَي الصوت الرهيب والوجه المتجهم. ولا غَرْوَ إن كانت اللُّبْدَة عند الأسد من السمات التي تُكْسبه لقب ملك الغابة، واللحية والعَباءة والعمامة عند الفقيه من ضرورات الاستِعلاء الإيماني واعتلاء كرسي المشيخة.

ونظرا لتسارع الأحداث لا يَبرَح أسدُنا عرينَه، فهو يُحدِّق بعين الريبة إلى كل المستجدات حوله؛ ولا يخرج إلا ليَزْأر تفاعلا مع قضايا العصر، ويُزَمْجِر للبطش بكل مُناوِئ لا يَزْدجِر. ولأنه متكيف على الاِسْتِئْساد ومتأهب للتكشير عن الأنياب، لا يسمح لأحد من غير زُمرته بالاقتراب من مَحْميته؛ فهو يدافع بشراسة عن خزانته التراثية، وإن كانت تعجّ ببضاعة منتهية الصلاحية، يستمد منها أدِلته الشرعية، يسوقها بمثابة مِلْكية حصرية.

ورغم أنه يردد في كل مواعظه وفتاويه القاعدة الفقهية “كل الأمور مباحة إلا ما ورد فيه نص بالتحريم”، فهو يُقحم الدين في مسائل دنيوية مباحة بالفطرة السوية وبعيدة عن ثنائية الحلال والحرام، ليخرج بخلاصة التحريم بحجة أن الأمر لم يكن من هدْي المسلمين على مَر السنين، أو أنه يلحَق بمحرَّمات معروفة ويدخُل في حُكمها، أو لو كان فيه خير لسبقنا إليه الصحابة الكرام، أو أن الأمر وافدٌ من بلاد الكفر.

ولهذا الفقيه مُريدون أوفياء انتقلتْ إليهم صفة الضراوة، يبجِّلونه بقدْر تشدده وارتفاع صوته بالسب والوعيد. وبما أن الشيخ يرى أن التشدد دليلٌ على ورع سدنة التراث وسبيلُه لدوام تربعه على عرش سلطة الحِل والحرمة، فهو يميل إلى التضييق على الناس وخنقهم بتوسعه في المحرمات، وقد لاحظتُ عليه حذف المكروه من رُتَب الأحكام على مستجدات العصر؛ فالأمر إن لم يكن مباحا فهو حرام على أقل تقدير، ولم يُبْق في عرينه منزلة بين المنزلتين للكراهة كما كان يفعل فقهاء السلف. بالإضافة إلى ذلك، كلما أحسَّ بتقلص نفوذه يلجأ إلى ترويج الآراء الفقهية القديمة التي تحاصر الحرية الفردية، يُخرجها إلى وضَحِ النهار مع رفع السُّنة إلى رتبة الواجب لتكفير مَن لم يلتزم بها.

في بحثه عن الإثارة وخطف الأضواء يخوض في المسائل الخلافية في الفقه الإسلامي مسببا بلبلة بين عامة الناس وجدلا وسط رجال الدين، فيتناول موضوعه بالدراسة وِفْق نموذج ثابتٍ “النازلة في الميزان الفقهي”؛ ونادرا ما يُدخل على هذا القالب تعديلات طفيفة، ويكتفي بملء الفراغات بما يناسب الموضوع:

النازلة  في الميزان الفقهي

–  هذا الفعل مكروه على مذهب جمهور أصوليي الأحناف وطائفة من المالكية، لحديث ……، ولا بدَّ أن نشترط هنا ألا يكون ….. لحديث ….. وإلا كان محرما، لما في ذلك من إعانة على الإثم، وهو المشهور عند أهل السنة.

–   ما لم يكن فيه …… ذهب بعض الفقهاء إلى أنه جائز لقول …. ، وبشرط …. عند جمهور الشافعية، على الصّحيح عندهم، وطائفة من الحنابلة لاستنادهم على حديث ….

 –   إذا خالطه ….. فهو مكروه كراهة تحريم عند الحنفية لحديث …… وقد أحله بعض الشافعية استنادا إلى تفسير  ….. 

–   ما كان فيه … ونحو ذلك، فقال بتحريمه جمهور علماء السنة لعموم الأدلة المانعة وطائفة من الشيعة لقول …… وروي جوازه عن بعض السلف والخلف.

– أما إن قام بذلك من أجل …. فتلك كبيرة من الكبائر التي تصير بصاحبها إلى الكفر كما يقول ….

على هذا المنوال تَطَرَّق إلى مواضيع كثيرة لإبراز وجوه التحريم فيها مثل الغناء والتمثيل والتصوير والشطرنج واللعب بالكرة وأمورٍ أخرى أَخضَعها قسرا إلى نموذجه باعتبارها تدخل ضمن المَنهي عنه في حديثٍ ما أو الفعل المذموم المقصود بآية من الآيات.

يستهل طرحَ نموذجه بالعبارة ” تضاربت آراء الفقهاء بين الإباحة والتحريم” مُوهِما المتلقي أن عرْضه سيكون موضوعيا محايدا لا يبتغي من ورائه تأجيج الحَميَّة المذهبية، خلافَ بعضِ الفقهاء الذين تُميِّز مواقفهم من خلال عناوين كتبهم مثل “التنكيل والتقتيل لمن أباح التمثيل” و”إعلان النكير على المفتونين بالتصوير”؛ ولا ينتهي حتى يُدخل المتلقي في دوامة الحرام عبر خلاصة تُضْمِر تعصبه المبطن لتيار التشدد: درءًا للفتن وسَدّا للذرائع وإبراءً للذمة ونصحا للأمة لا يسوغ لي العدول عن حكم التحريم، فهو الأحوط الذي تطمئن إليه نفس من يستبرئ لدينه، فكونوا على بيّنة من أمركم وعلى بصيرة من دينكم، فاحذروا أن ينزل بكم عقاب الله تعالى، والزموا حدود الله ” ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون” البقرة – 229.

لكن تصاعُد نزعة التحريم هذه لا تمنع معظم المسلمين من الاستمتاع بمباهج الحياة والعيش بسلام مع مستجدات العصر، مستفيدين من التقنيات الحديثة مثل الصحون اللاقطة والهواتف المصوِّرة التي حُرِّمت في بداياتها، تاركين المتشددين يسبحون ضد التيار متشبثين بسد الذرائع إزاء تعقيدات الواقع وتحديات العصر إلى أن يتراجعوا عن التحريم بحُجة عموم البلوى.

يحتل هذا الشيخ مرتبة متدنية في سُلَّم التراتبية الذي قعَّده رجال الدين، إلا أنه ينتحل خِلسةً منصب الإمام والعلّامة والعالم الداعية والواعظ والمفتي عندما يُحس بتقلص نفوذه والحاجة إلى إحكام السيطرة على الغَوْغاءِ الذين يعتقدون أن الحِفاظ على الدين يقتضي انتظار معرفة ما يجُوز وما لا يجوز بإفراج الفقيه عن رأي الشرع في كل صغيرة وكبيرة.

و”فقهُ لا يجوز” هو تخصص فقهاء التحريم، الذين يقصدهم الناس في كل ما يصادفونه في حياتهم اليومية، فيجدون الفرصة لتبرير وجودهم كقادة للرأي الديني ولتكريس احتكارِهم سلطة المنع التي تُواري الأهلية العلمية. فآمل ألّا يُمنح جواز العبور إلى عالَم الغد، فهو فقهٌ لا يجوز. ويجب ألَّا يُعتمَد على الطفرات التي تحدث من حين لآخر في فكر هؤلاء الفقهاء حين يصِير الحرام حلالا على حين غفلة من الناس كما حدث مؤخرا، حيث اكتشف كبار هيئة العلماء أدلة قوية على جواز سياقة المرأة للسيارة، واختفت فجأة دواعي التحريم المستمدة من الكتاب والسنة؛ بل حتى الآثار الجانبية للسياقة على صحة المرأة التي وصفها بعض الشيوخ اتّضَح الآن أنها مجرد توهمات نفسية تم التغلب عليها. والسيارة في بدايتها لم تحرَّم على المرأة وحدها فقد أفتى رجالُ دين بتحريمها على الجميع كما حرموا الدراجة الهوائية وسمَّوْها حصان إبليس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد العزيز سعدي

أستاذ ترجمة متقاعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى