مدونات

«فقست قلوبهم».. نعتقد بأن الموت بعيد فإذا بنا أول الراحلين

يظن كثير من البشر أن أجله بعيد ويوم رحيله سوف يأتي بعد وداع جميع ممن حوله، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ويسبق الجميع ويلتصق هو بالمقدمة، ويكون وداعه فجأة وعلى حين غرة من دون استعداد. عندئذٍ، يتذكر المرء ماذا قدم، ويتمني أن لو يرجع قليلًا للوراء ليصحح مساره ويتعظ من عبرة الموت ولكن بعد فوات الأوان.

يتذكر الإنسان أيام وشهور وسنين ضاعت هباءً منثورًا، ذهبت الأقدام مهرولةً في طريق المعاصي والآثام وجذبته الملذات والشهوات وسبح سبحًا طويلًا لا يرجو الامتثال والعودة للدين ويغض الطرف عن المباديء والقيم والأخلاق والثوابت.

ورغم أن الإسلام فصّل جميع العبادات من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، ولكن يهوي البعض التلهي والتأجيل والفرار من المكتوب. تبًا لنفسًا لا تتوب ولا تبغي السلامة والطمأنينة في القلب، أما آن الأوان للعقول أن تتدبر وأن يتم إزاحة الأقفال من عليها ومصارحتها بالحقيقة والعمل بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونأسف على عقلٍ غاب في جيابات الجهل والضلال، وحرّف المعاني والكلمات النقية الدالة على الصدق والأمانة والخير، وهرول إلى قاموس المستنقعات يغرف منها غرفةً كبيرةً بيده ولكن ذلك لا يكفي لكي يُشبع ظمأه، بطنه تربت على الربا وأكل الحرام والجور على البسطاء واليتامى والفقراء والمساكين والمحتاجين، “وساء عمل المفسدين”.

تمر الجنازات كل يوم على الطرقات واتخذ المرء طريقًا آخر يقرب إلى النار، فبالرغم من قرب قبره ومناداته لعله يغير طريقه ويقصد الإيمان ويبحث عن اليقين والمحافظة على القرآن العظيم وسنة الحبيب نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إذ نجد أيادٍ سرقت واستحلت الاغتصاب وامتهنت الاعتداء على خلق الله الضعفاء وهربت من القصاص، ولكن أبدًا لن تهرب من رب العباد.

ورغم عبرة الموت نجد عيونًا نظرت إلي المفاتن والموبقات والشهوات فسوف تصل السعير في الآخرة، ولسانًا احترف الكذب والنفاق والرياء وساند الباطل على طول الطريق وظن أن لن يقطع في الدنيا ولا يدري أن يوم القيامة آتٍ لا محال، عندها سوف يأخذ كل امرؤ كتابه فمنهم من يتلقاه باليمين ويعبر الصراط للجنة بسلام نظير كل ما قاله وفعله وقربه منها، “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي”.

وفي المقابل، البعض الآخر من البشر يتلقى كتابه بشماله فيهوى في نار جهنم خالدًا فيها لا مناص ولا ينفع الندم. أفيقوا يا أمة الإسلام وعودوا إلي رشدكم واجعلوا من عبرة الموت عظة وآية، ولابد أن نعيش في الدنيا كأن نموت غدًا، وأن نعي أن الآخرة هي دار القرار والتمكين، ولنتدبر في قول المولي -عز وجل- في محكم التنزيل “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق