ثقافة وفنون

فضل المتكلمين على الإسلام قديما و اليوم..

بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، القائد الأعظم و المحب المخلص، انقسمت الأمة و توفرت شروط كادت تساهم في فناء الوحدة وسقوط الدولة ولولا قدوم رجال كعمر وأبي بكر وغيرهم من أفاضل الرجال من تداركوا الأمر و كانوا سببا في صلاح الأحوال سواء بدهائهم أو تقربهم من المشرع لكان الأمر مختلفا على المسلمين.

اختلفت شؤون المسلمين و تغيرت أحوالهم و كان كل ذلك باعثا للتغيير و التجديد، فجاء أبي عمر و أمر بالتوقف عن قطع الأيادي لأجل مسمى، ثم أمر بالتوقف عن كتابة الأحاديث النبوية، و جمع القرآن في مصحف ثم زين بالرسوم العثمانية.

انبثقت المذاهب و اختلف العلماء والرجال وامتزجت الفلسفات و طُوّرت و كل ذلك كان نتيجة حتمية طبيعية لأي دين يقبل التجديد أو التأويل، ولا شك أنه سبب وفره الله ليغرق البشر في كثير من التجارب وربما لنفهم أكثر معنى الدراما الإنسانية.

لا أحد يخفى عليه حقيقة أن المتكلمين منهم المعتزلة و غيرهم من الفلاسفة  المسلمين كانوا حصنا منيعا على دين المسلمين رغم كل ما تعرضوا له من ظلم كغيرهم من الفلاسفة، الذين تواجدوا في مختلف أقطار العالم. ومن صُورِ دفاع المعتزلة عن الإسلام أن رجلا من السُّمَنِيَّة، سأل قاضيا مسلما بحضور ملك السند السؤال الآتي: أخبرني عن معبودك هل هو القادر؟ قال نعم، قال: أفهو قادر على أن يخلق مثله؟  فقال: هذه المسألة من علم الكلام، وهو بدعة، وأصحابنا يُنكرونه. أما الخلفية هارون الرشيد، و لما بلغه خبر هذه النازلة، قامتْ قيامته، وضاق صدره، وقال: أليس لهذا الدين من يناضل عنه  قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين نهيتهم عن الجدال في الدين، وجماعة منهم في السجن، فقال: احضروهم، فلما حضروا قال: ما تقولون في هذه المسألة؟ فقال: صبي من بينهم : هذا السؤال مـُحَالٌ، لأنَّ المخلوقَ لا يكون إلاَّ مُـحدثا، والـمُحْدَثُ لا يكون مثلَ القديم، فقد استحال أن يقال : يقدر على أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما استحال أن يُقال: يقدر أن يكون عاجزاً أو جاهلاً. فقال هارون الرشيد: وجهوا هذا الصبيَّ إلى السند حتى يناظرهم”.

هكذا هي أصول ديننا، أصول ثابتة مبنية على الحَجَّة والتأمل الغير المنتهي، ولا يكاد يختفي هكذا رجال متميزين حتى ينبثق نوع جديد منهم، آتين بسلطان مبين وحجة دامغة. وقد شهدت كل عصور الأمة أناس مثلهم يخرجون إلى العامة و الخاصة صارخين و وهم منذرين متكلمين بالحق.

واليوم وحمدا لله، أرى الكثير منهم، سواء على شاشات التلفاز أو منابر مواقع التواصل الاجتماعي، يهدمون العقائد الباطلة تارة و يدافعون على الإسلام تارة أخرى، و لا شك أن كل واحد منهم يفكر في نفسه ويقول : كيف كان، أو ماذا كان سيكون أو يقول القاضي عبد الجبار أو عمر أو ابن رشد او الغزالي أو محمد أو ابن سينا أو الرازي لو علم أن التكنولوجيا و العلوم قد نفت هكذا مبدأ و ثبتت هكذا اعتقاد.

كحال هارون الرشيد لما سمع كلام السمني هو حال شيوخ الإسلام الذين لا يتوقفون عن الوعظ و الذين أحيانا يقدمون حججا تضحك الصغار قبل الكبار. فالحمد لله على وجود أناس آخرين يناظرون بالعلم، و يحكمون بالحجة الساطعة، كمن قيل له المسلمون غازون قاتلون فأجاب بقوله بل الإمبراطورية الإسلامية هي الأقوى، ومن قيل له أن آدم وحواء أسطورة فأجاب بفهمه فهما حقا للتطور ثم شرح نظرية الأكوان المتوازية.

يعتقد الكثير أن العرب متخلفين ولا سبيل لهم للاستيقاظ لكن أجيبهم بقولي أن العلم خزانة مفاتيحها السؤال و أن الله أحب كل باحث بين كتب العلم ومجالس العلم الحقيقية، وأن معالم الخير و الأمل موجودة بين كثير من شباننا العرب الذين يحاربون الألم تحت شروط صعبة ووفق عقلية إسلامية أصيلة، حتى من انحرف منهم عن طريق الإسلام ثم انتهى بهم الأمر قائلين “طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلاّ لله “.

أنهي كلامي بقولي اللهم أحبنا و أحببنا فيمن أحببت و فيما أحببت، اللهم زدنا عزا ونصرا وقنا عذاب النار.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى