ثقافة وفنون

“فريري” الحوار الطريق لاكتمال الوعي

بدأ فريري الفصل الثالث من كتابه “نظرات في تربية المعذبين في الأرض” بمهمة المتعلم والإنسان؛ معتبرًا الحوار مع الشعب أمرًا ضروريًا. وأن التعلم هو السبيل نحو الثورة على القهر والاستبداد، وصولاً للحرية، مرتكزًا على منهجية الحوار وتبادل الأدوار بين المعلم والمتعلم.

علمًا بأن الحوار عملية خلق، ووسيلة ضرورية ووجودية، “الفكر والعمل معًا”، مع التأكيد على عدم إمكانية الدخول في حوار دون حب الحياة أو التواضع أو الإيمان العميق بالإنسان وقدراته. ودون ذلك يكون الحوار مهزلة وينحط إلى مصاف التلاعب والغش الأبوي.

ثم يتحدث عن دور الثوريين في الحوار والكفاح إلى جانب الشعب لاستعادة إنسانيتهم المسلوبة، إذ أن عدم المجاورة مع الشعب إما يقودنا إلى تعليم بنكي، تعليم بدون هدف، تعليم تقليدي يعمد التلقين والحفظ والاستظهار، أو كمن يقوم بالتبشير في الصحراء. إذ أجد أن وظيفة التربية تشجيع النقد والحوار وتدريب المعلم والمتعلم على التفكير الناقد دون الحجر على الأفكار بدافع الحماية أو ادعاء المعرفة للمعلمين وافتراض الجهل للطلاب.

ولا يمكن أن تغفل حقيقة أن الإنسان لا يستطيع التفكير نيابة عن الآخرين، إذ إن إعادة التفكير كفيلة بالتغيير، وإنتاج الأفكار، والعمل بها، وليس استهلاك أفكار الآخرين، وهذا ما نحتاجه في مجتمعاتنا العربية، التوقف عن الاستهلاك والبدء بلعب دور إنتاجي في الأفكار، والنظريات والتطبيقات؛ فالموضوعات المنتجة تعد الدوائر المشتركة في المركز، متنقلة من العام إلى الخاص، بينما اعتبر فريري أن السيطرة موضوع هذه الحقبة الزمنية الجوهري.

كما تحدث عن “الوعي الحقيقي” الحلول التي يجري ممارستها حاليًا، حلول العملية المدركة “والوعي الكافي”، الحلول التي لم يتم إدراكها، الإمكانيات غير المجربة، ولكن السؤال متى يكتمل الوعي؟ ثقافيًا، سياسيًا، دينيًا، اجتماعيًا؟

إن الطبيعة الحوارية للتعليم تبدأ من البحث في الموضوعات الجوهرية والهامة، واهتم فريري “بمفهوم الأنثروبولوجي للثقافة”، مشيرًا إلى الحوار كجوهر حقيقي للعمل الثوري، اسشهادًا بقول لينين “لا توجد حركة ثورية بدون نظرية ثورية”، ومؤكدًا على أهمية الحوار مع الشعب، فكلما كان مبكرًا ومفتوحًا، كانت الحركة أكثر ثورية؛ فالثورة لا تصنع إلا بالقادة والشعب معًا، وإلا فلن تكون حقيقية. فالشعب هو رحم الثوار وأصل تكوينهم.

الغزو

         يرى فريري في الفصل الرابع أن الحاجة إلى الغزو تبدأ من الأشد عنفًا إلى الأكثر عناية “الأبوية”، وهي إحالة الناس إلى مصاف الأشياء، متحدثًا عن العالم الذي يقدمه المضطهد كما هو، وليس للحوار أو النقاش بل ثوابت وعلى المضطهد تقبلها (إيداع خرافات).

أجد هنا أن الغزو قد يكون بأشكال ودوافع عدة، كما أنه ينمو ويتفاقم مع تضاؤل الوعي وغياب الحوار النقدي، بين القادة والشعب. وبالنظر إلى الواقع الفلسطيني فالغزو يتبعه سبايا وأسرى، وللأسف أخذ الإسرائيليون الأرض، واعتبروا التراث الذي يحتضنها هذه الأرض هو السبي ولهم الحق في نسبه إليهم، وإلحاقه بتاريخ لم يكن موجودًا لهم، ليصنعوا لهم وجودًا مزيفًا على الأرض. فاعتبروا الثوب الفلسطيني جزءًا من تراثهم، حتى أكلاتنا الشعبية، وكوفيتنا الفلسطينية، التي عمدوا إلى تلوينها وطمسها وتغيير ملامحها، وأبناؤنا يرتدونها دون وعي منهم أنها عملية غزو مقصودة لطمس هويتنا واستلابنا، مؤكدة أن غياب الوعي سيقودنا إلى ما هو أسوأ.

      في هذا البعد لنظرية العمل القمعي مفاهيم التنظيم والنضال، الوحدة تشكل تهديدًا خطرًا لهيمنة المضطهِد، وهنا يقوم المضطهِدون بدعم قادة مختارين للحيلولة دون ظهور وعي، وذلك للإبقاء على حالة الاغتراب وصعوبة تحقيق وحدة المضطهَدين. وهذا النهج يظهر جليًا في السياسة الرامية إلى تجزئة وتفرقة البيت الفلسطيني وزعزعته من خلال إشاعة البلبلة وتوسيع الفجوات بين المتخاصمين، كذلك محاولات لإبراز قيادات جديدة لتمرير نهجها وسياستها من خلالهم وتعمل على تلميعهم ليكونوا قادة المستقبل الفلسطيني.

التَلاعب والغش

يمكن القول بأن التلاعب والغش مع عدم الوعي أو النضج أو الحوار، يكون أيسر وأسهل، وذلك من خلال الترويج لسلسلة من الخرافات والأساطير، أو عن طريق تطعيم الأفراد بالشهية البرجوازية للنجاح الشخصي. إذ يرى “فريري” أنه لا داعي للتلاعب بالمضطهدين وغشهم عندما يكونون غارقين في الواقع، فبموجب نظرية العمل المعادي للحوار، التلاعب والغش هما رد المضطهدين على كل الظروف الملموسة الجديدة للعملية التاريخية. ويجد أن التنظيم الثوري الواعي الإنتقادي هو العلاج الشافي من التلاعب والغش.

الغزو الثقافي

تعتبر عملية تغلغل في السياق الثقافي، يقوم بها الغزاة بكبت إبداعات وتعابير ضحاياهم ويسلبونهم أصالتهم؛ ولنجاح الغزو الثقافي لا بد من إقناع من يتم غزوهم أنهم أقل مكانة، وأقل قيمة وأضعف قوة وحجة، بل وأقل شأناً، ومع تعمق الغزو يزداد الاغتراب والرغبة بالتشبه بالغزاة، وارتداء ملابسهم، والتحدث مثلهم، واستخدام لغتهم، كدليل على المكانة والرفعة والأهمية، وربما القوة، والشعوب تجنح عادة لتقليد المنتصر، باعتباره تعبيراً عن النجاح؛  فنحن نرى بعض الفلسطينيين الذين يتحدثون العبرية، في معظم كلماتهم الدارجة واليومية، كنوع من التقليد للمحتل ورؤيته ملتصقًا بأفكارهم.

وينقلنا “فريري” إلى عناصر العمل الثقافي الحواري والمتمثلة في عدة عناصر رئيسة وهي:”التعاون والوحدة من أجل التحرر والتنظيم والتوحيد الثقافي”.  والتي أجدها مجتمعة من أساسيات العمل الحواري المنتج، فالحوار أفضل الطرق لحل المشكلات والتغلب على كافة العقبات، حتى قبل تولي السلطة؛ فلو أن أحزابنا المتناحرة، تدرك وتعي هذا القول لانفكت عن الاقتتال والتناحر، وأدركت أن هناك من يتلاعب بها لأهدافه الخاصة؛ وأنه لا بد من التواصل لجسر الهوة والوعي بما يتربص بالأمة، ولأدركت أيضًا، بأن بداية الطريق هو فض النزاع الفلسطيني الداخلي، وبدء العمل كشريكين حقيقيين لتحقيق هدف مشترك قابل للتطبيق، بصرف النظر عن أجنداتهم المختلفة، فتلك قضية اخرى.

وبالنظر إلى دور المدرسة في هذا كله فالمدرسة على طريقة فريري هي فتح الباب للطلبة، ودوري وتبادل الأدوار بين المعلمين والطلبة، ليكونوا جيل التغيير، وعدم تركهم فريسة للإعلام المضلل، فالمدرسة ليست المكان الوحيد الذي يتعلم منه الطفل، بل إن هناك محطات التلفزة، ووسائل التواصل الاجتماعي والحوار، التي تعطي المعلومة وعكسها، الحقيقة والضلال، فالتطبيقات والوسائط كثيرة ولكن الوعي أقل.

قد يكون الطلبة فريسة للمعلم أو للإعلام، كما يرى فريري، إلا أنني لست معه حتى النهاية؛ فالفكر الاشتراكي المثالي الذي يعتنقه فريري قابل للتطبيق في عدد من الجوانب لا في جميعها، إذ يبدو في جوانب الذروة نظريًا أكثر منه تطبيقياً، ولكن لا يمكن أن ننفي، أن التلاحم بين القيادة والشعب هي المرحلة المثالية التي يرجى الوصول إليها على النحو الفريري المنشود.

اقرأ أيضًا: الحوار الفعال

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. ايناس العيسى

ايناس عبّاد العيسى المؤهلات العلمية: دكتوراه إدارة تربوية تخصص أدارة الجودة الشاملة والإدارة الإلكترونية (دراسة حالة مدينة القدس) عدد من الكتب العلمية المنشورة أوراق بحثية ومشاركة في مؤتمرات عالمية عشرات الأبحاث والدراسات والمقالات منشورة في مجلات ومواقع محلية وعالمية باللغة العربية والانجليزية والفرنسية، ومنها حول القدس، والتعليم والحالة المجتمعية، والأحداث اليومية والعالمية. مناقشة عدد من رسائل الماجستير باللغتين العربية والانجليزية في جامعة القدس وجامعة النجاح الوطنية مشاركات في جمعيات ومؤسسات أكاديمية ومجتمعية، سواء كعضو مجلس أمناء أو عضو هيئة إدارية. مشاركات في التحكيم والتقييم في عدد من البرامج المحلية والدولية. إضافة الى المشاركة في عدد من البرامج الاذاعية حول التعليم والتربية والقدس والمرأة والطفل والعوامل المؤثرة على التعليم في القدس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق