ثقافة وفنون

فريدريك نيتشه: الرجل الذي أُسيء فهمه!

لم يعرف التاريخ رجلاً أُسيء فهمه أو تم تبجيله إلى حد مبالغ فيه مثل المفكر الألماني فريدريك نيتشه. لطالما استخدمت صورة نيتشه والسطوة المحيطة باسمه لتبرير أفكار واتجاهات مختلفة للغاية بدءًا من: الأناركيين، الحركات النسوية، النازيين، المتدينين، الاشتراكيين والماركسيين، النباتيين، والمحافظين، وصولاً إلى أنصار التربية البدنية!

إن هذا التباين ناتج عن القراءة السطحية غير المتأنية، وأحيانًا أخرى بسبب تشويه صورة نيتشه في العالم الغربي في النصف الأول من القرن الماضي على اعتباره “مصدر إلهام للنزعة العسكرية الألمانية”، وقد ترجمت أعماله بأسلوب غير أمين بعيدًا عن الدقة.

وفي الفترة التي كانت فيها سمعة نيتشه بأحط مستوياتها، شرع فالتر كاوفمان أستاذ الفلسفة في برنستون، بترجمة أعماله مجددًا معيدًا تمحيصها، مستهلًا مشروعه عام 1950 بتقديم نيتشه بوصفه فيلسوفًا تقليديًا صاحب منطق وعقلاني؛ ساعيًا إلى هدم تلك الصورة القاتمة الحاجبة لأهمية فلسفته وأصالتها، والتي جعلت اسمه لصيقًا بالنازية. منذ ذلك الحين تغيرت صورة نيتشه شيئًا فشيئًا وأخذ التناول الأكاديمي لمذهبه يتصاعد، كفيلسوف ضمن الفلاسفة الكبار، وتوضيح أوجه التمايز بينه وبين فلاسفة مثل كانط وهيجل وسبينوزا وغيرهم من الأساطين الرائدة في الفكر الغربي.

في النصف الثاني من القرن الماضي، صار نيتشه موضوعًا مستهدفًا للدراسة من قبل الوجوديين، الفينومينولوجيين، ثم البنيويين والتفكيكيين وما بعدهما. كل منهم يستقي ما يلائم مذهبهم. ويبدو أن الركون إلى سلطته بات مطمئنًا.

لماذا نحتاج إعادة قراءة نيتشه؟ إن أغلب الناس الذين يتغنون بكونهم نيتشويون، ويعيدون التقنع بصورة الرجل الصارم ذي الشارب الكث، لا يعرفون في الغالب عن فريدريك نيتشه، عدا عن عذريته، سوى:
‏”مات الإله”، “إذا ذهبت إلى المرأة فلا تنس السوط!”، “تحقير العقيدة الدينية بوصفها مصدرًا لأخلاق العبيد”، “القضاء على الضعفاء”، “الإنسان الخارق” وغير ذلك من الآراء المنتزعة من سياقها بالإكراه والتي تعكس سطحية تامة مجحفة بهذا الرجل.

لذا كان لابد من تمحيص صورة نيتشه لدى القراء، وإعادة قراءته مرارًا وتكرارًا. عادة ما يأتي سوء الفهم نتيجة التنوع المتزايد في تفسير أعماله، ولو بشكل أقل تشاؤمًا من ذي قبل. تظهر تلك التفسيرات نيتشه غامضًا ومتناقضًا. إضافة لقراءة أعماله دون أخذ في الاعتبار سياقها الزمني، وقراءتها وكأنها ألفت بوقت واحد. فقد عرف عن نيتشه أنه كان يطور آراءه بشكل متسارع، ونادرًا ما وضح أو أشار لآرائه المتغيرة. وهو يجسد نموذجًا للإنسان الحديث الذي يتمرد على الثقافة الفاسدة ويقدم اقتراحات لإحداث تغييرات جذرية.

العامل الآخر لسوء الفهم ينطوي على المساواة المجحفة وعدم الفصل الواضح بين أعماله المنشورة وكتاباته الغير منشورة، فغالبًا ما ينجر الناس وراء اقتباس غير منسوب لمصدر مأخوذ من أعماله الضخمة التي آثر عدم نشرها، إن كان ذلك يدعم مقاصدهم أو يثبت اتهاماتهم له. للأسف يعتقد الكثيرون أن نيتشه الحقيقي يقبع في المفكرات ودفاتر الملاحظات. من هؤلاء كان الفيلسوف النازي هايدغر. ما الذي تسبب في جعل نيتشه رمزًا لرجل الأحزان، أو حتى غير ذلك؟

تنويه: تم الاعتماد بشكل كبير في هذا المقال على كتاب “نيتشه”، مايكل تانر.

اقرأ أيضاً: نيتشه: الخيبة العاطفية ونبوءة زرادشت (4)

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق