علوم وصحة

فريدريك أوغست كيكوله .. والقدرات الاستعرافية

“الحدس” هي كلمة تعبر عن قلق إنساني مزمن، إذ أننا عاجزون عن فهم كيفية مجيئنا إلى الحياة محملين بهذه القدرات الاستعرافية والتبصرية. يقال أن عالم الكيمياء العضوية فريدريك أوغست كيكوله اكتشف طبيعة جزيئة البنزن عام 1865 من وراء إلهام راوده في حلم! وقد وصف كيكوليه نفسه ذلك الحلم في خطاب ألقاه في حفل بالذكرى الخامسة والعشرين للإعلان عن تلك الصيغة، حيث قال: “كنتُ جالسًا أكتب في دفتري، لكن لم يكن ثمة أي تقدُّمٍ في البحث الذي كنتُ أقوم به؛ كانت أفكاري شاردةً في مكان آخَر. وجَّهْتُ الكرسي الذي كنتُ أجلس عليه ناحية نار المدفأة وغفلت.
أخذت الذرات تتراقص مرة أخرى أمام عيني، لكن هذه المرة لم تظهر لي المجموعات الصغرى من الذرات، وكانت عين عقلي — التي أصبحت أكثر حدة بسبب الرؤى المتكررة التي من هذا النوع — تستطيع الآن رؤيةَ التراكيب الأكبر في أشكال مختلفة؛ صفوف كبيرة في بعض الأحيان مرتبطة معًا على نحو أكثر تقاربًا، وكلها تتزاوج وتلف في حركة تشبه حركة الثعبان. انظر! ما هذا؟ أحد الثعابين قد أمسَكَ بذيله، والشكل تراقَصَ ساخرًا أمام عيني.
واستيقظتُ كما لو أن ذلك تمَّ بفعل ومضة من البرق؛ هذه المرة أيضًا قضيتُ باقي ليلتي في التفكير في تبعات هذا الافتراض” (بينفي، مجلة «جورنال أوف كيميكال إديوكيشن»، المجلد ٣٥، صفحة ٢١، ١٩٥٨).
وفي عام ١٩٢١، اكتشف عالِم وظائف الأعضاء أوتو لوفي الانتقالَ الخلْطِي للنبضات العصبية عبر المواد الكيميائية. وطبقًا لما تم ذكره، فقد جاءت فكرة هذا الاكتشاف في حلم، ولم يكن ذلك لمرة واحدة بل مرتين.
إن تاريخ الفلسفات الشرقية والصوفية حافل بمثل تلك القصص والرؤى الغامضة.
إن لهذه القدرات تاريخًا تطوريًا طويلًا، وإذا أردنا إدخال المخزون الجيني في حديثنا سنجد أنها موغلة في القدم وربما تمتد إلى نشأة الحياة نفسها؛ بينما يعد التفكير المنطقي من الناحية الشعورية حديث نسبيًا وعمره مئات آلاف السنين فقط. يقترح بعض الباحثين أن الأحلام هي تحرير لعمليات المركب الزواحفي في الدماغ، مع تدخل للقشرة المخية في تشكيل المحتوى الرمزي. يستطيع نصف الكرة اليميني في القشرة المخية إدراك نماذج وعلاقات صعبة معقدة حتى وإن لم تكن موجودة!
تشير نتائج دراسات أجراها أخصائي البيولوجيا العصبية روجر سبيري (معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وحائز جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء عام ١٩٨١) على المصابين بالصرع الذين فصل نصفَي الدماغ لديهم جراحيًّا، إلى أن الأفكار والإلهام التي تحدث في ظروف كالتي ذكرت أعلاه يكون محلها النصف الأيمن من الدماغ.
كتب المحلل النفساني الأمريكي إريك فروم: “ألا يجب أن نتوقع، عندما نحرم من العالم الخارجي، أن نعود مؤقتًا إلى حالة العقل البدائية غير المنطقية المشابهة لعقل الحيوان؟ إننا ننجز أحيانًا في حالة الحلم أفكارًا ذات طابع مستقبلي نكون قد عجزنا عنه في اليقظة”.
إن الأمر أعلاه يمكن أن ينطبق أيضًا على حالة النوم والتأمل العميق، بالتالي بإمكاننا، عبر العمليات التي تقمع نشاط المركب التحليلي من دماغنا، الولوج لتلك العلاقات والنماذج مباشرة، وهذا يبدو صوفيًا إلى درجة بعيدة!
إن أدمغتنا تطورت لتعتقد أنه لكل شيء سبب. ما ندعوه بمبدأ السببية له أهمية تطورية كبيرة للكائنات البشرية. يقوم جهازنا العصبي باستقبال كم هائل من المعلومات والمدخلات الحسية، ويعمل على معالجتها بشكل ذاتي على نحو غير واع، ويخلق نماذج تمثيل ذات طابع تنبؤي أو مستقبلي. لك أن تتخيل أهمية ذلك حين كان أسلافنا يعيشون في خطر دائم في غابات السافانا. حين ينطبق أحد تصوراتنا الذاتية مع الواقع فإننا نحقق ما ندعوه “الاستعراف”.

فريدريك أوغست كيكوله .. والقدرات الاستعرافية

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى