ثقافة وفنونسياسة وتاريخ

فرعون وهامان وقارون.. أسماء أم ألقاب وعبر؟

القرآن الكريم لا يُعنى كثيراً بالأشخاص، بل يوجه العناية إلى تلكم المعاني الكبار والعبر العظام التي يستخلصها المعتبر بإدمان النظر إلى الألفاظ ومعانيها، دلالة على ذلك أن القرآن الكريم حين يحدثنا عن المؤمنين، أو المنافقين، أو المشركين، أو الروم، أو اليهود والنصارى، أو أهل الكتاب في تعبير القرآن، كل ذلك لم يذكر لنا القرآن الكريم أشخاصاً، ولم يسمِّ لنا منهم أحدًا، فمثلًا حين يقول الله تعالى: “والذين اتخذوا مسجدًا ضراراً”، أو آية: “يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر”، وآية: “لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم”.

وآيات كثيرة تذكر لنا أوصافًا ولا تسمي لنا أشخاصًا، وهذا يعود بالطبع إلى استمرارية القرآن الكريم على مر الزمن وتوالي الأيام، فهو لم ينزل لعلاج أمراض ومشاكل حقبة من حقب الزمن حتى يسمي أشخاصها، بل هو حاكم قيم لكل زمان ومكان، ولذا ناسبه ذكر الوصف والفعل، لنقيس الحاضر على الباد ” فاعتبروا يا أولي الأبصار”.

وحين نتسمع إلى ذكر أشخاص مثل فرعون وهامان وقارون في القرآن الكريم، دومًا نوجه عنايتنا إلى هذه الأسماء، ولا نعتني قليلًا أو كثيرًا بما تحمله من معان أو ما تحتويه من وظائف هي المراد ذكرها بلفظ معجز مختصر، تبقى دلالته على مر العصور شاهدة على أفعال الناس.

يحدثني بعض الأثريين أنه لا يوجد في كتب التاريخ الفرعوني المصري أسماء ( فرعون) و(هامان)، وقرأت منذ قليل أن (هامان) هو كبير العمال عندهم، فقلت: أصدق من؟ ثم إذا ما صدقت الرواية الثانية، أيعقل أن ينزل الفرعون عن كرسيه وعرشه ليكلم كبير عمال في مملكته ثم يحتفل بهذا القرآن ويسجله؟ إن الأمر أبعد من هذا.

أعود إلى القول: إن كتب التاريخ المصري القديم لم يذكر فيها لا فرعون ولا هامان، فأقول: إن ما اكتُشف من حضارة المصري القديم لا يعدو أن يكون جزء من آلاف الأجزاء التي تشكل هذه الحضارة العظيمة التي طمسها التراب وغطاها التاريخ، وحين يكتمل عقد الاكتشافات، ساعتها تكلموا.

وهم يؤكدون أن هناك ما يسمى بـ (برعا) أي (قصر برعا) وعندهم (آمون)، هذا جعل فكري يخوض في معنى فرعون، ومعنى هامان.

فلا شك أن هناك تشابهاً كبيراً بين (برعا) وبين (فرعون)، ففرعون اسم معرب، والفاء والباء من مخرج واحد هو الشفتان، ومن هنا فلا مانع أن يكون أصل اللفظة برعا ثم أبدلت الباء فاء، وقلبت ألف برعا إلى واو، وزيدت النون فصارت فرعون، ذلك على نهج العرب في تعريب الأسماء الأعجمية.

كما أن هناك تشابها بين (آمون) وبين (هامان)، فهامان قد يكون أصله آمون، فأبدلت الهاء من الهمزة نظرا لاتحاد المخرج وهو أقصى الحلق فصارت الكلمة هامون، ثم أبدلت ضمة الميم فتحة وقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت هامان على نهج العرب في التعريب.

وهذا يؤكد أنه ليس المقصود يقينا بفرعون أن يكون اسمًا لشخص، وإنما هو وظيفته كحاكم في قصر برعا أو قصر الفرعون، وهامان هو إشارة إلى الكاهن الأكبر في معبد آمون رع.

وهذا يبين لنا أن الحاكم البرعوني القديم كان يلتمس سلطاته بمباركة المعبودات القديمة، حتى يخلع عليه كهنة المعبد صفة الإلة المبارك من آبائه الآلهة، ولضمان بقاء الحاكم على العرش ليحكم بما يشاء، وكانت مقاليد الحكم الداخلي تسند إلى الكهنة لضمان الولاء وعدم تمرد الشعب، وهذا ما تؤكده مصادر العصر الفرعوني القديم، فكان الكاهن هو رئيس الوزراء وهو المستشار الأعلى، ومن هنا نادى فرعون: “يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب”.

وأعود فأقول: إن الذي يعنينا هنا، هو تلك الوظائف المخبأة وسط الأسماء والتي تحتوي على السلطتين السياسية والدينية، وما يعنيه تزاوج السلطتين، وتأثيره على الحاكمين، فكيف تكون طاعة الشعوب حين يتأكد لها أن طاعة الإله تتمثل في طاعة ولي النعم، وأن المعصية كذلك.

ثم إذا ما أضفنا السلطة الثالثة التي يتزاوج فيها رجال الحكم ورجال الدين مع رجال المال والأعمال، والتي تتمثل في هذا المثلث ثلاثي الأضلاع والذي يكتمل بـ (قارون)، كل هذا سيبين لنا أن فساد الدول أو صلاحها، وفناءها أو بقاءها، مرهون بهذا المثلث إذا أسيء استخدامه، أو إذا استخدم على ما ينبغي وأن يكون.

ويحدثنا التاريخ القديم أن الأغريق كانوا يلتمسون البركة والحكمة من فلاسفتهم، إذ كانت الفلسفة عندهم موازية للدين حيث لا دين، فكان الفيلسوف محركًا للشعب، وحين اصطدمت السلطة السياسية بالسلطة العقلية، استوجب ذلك احتساء سقراط للسم، وحين أتى أرسطو هدم بنيان أساتذته، وهوى بالفلسفة والحكمة من عليائها، طارحًا إياها تحت أقدام الحكام، وهنا عم الظلم واستشرى الفساد.

والهندوس؛ عمل الغازي الآري على تمكين سلطاته ومد نفوذه بواسطة الكهنة الذين كانوا يباركونهم ويؤلهونهم، حتى كرسوا الطبقية بين أبناء الشعب الواحد، والذين يحترقون بنارها حتى يومنا هذا.

وحين أراد الغازي الإنجليزي أن يوطد حكمه ويلبسه لباس التسليم، اخترع الديانة القديانية على يد غلام أحمد، والتي قامت لهدفين؛ هما الاستسلام للغازي وإفساد الدين.

وهذه الحروب الصليبية التي استمرت حتى حملة لويس السابع عشر حين أسر في دار ابن لقمان بالمنصورة في أواسط القرن السابع الهجري، لم تكن إلا بمباركة البابا والراعي الرسمي للكنيسة الكاثوليكية، وكان الإمبراطور الأوروبي لا يعين إلا بمباركته.

وفي عصرنا الحالي في إيران واليمن ولبنان، هناك ولاية الفقيه التي يحكمها خامئيني والتي يمتد بوقها ويتسع حتى يردد الحوثي في اليمن، وحسن نصر في لبنان قوله، وكل قرار إيراني لا بد من أن يغلف ويختم بخاتم الدين.

وأمريكا على عرشها يتحكم فيها رجال المال والأعمال وأصحاب المصالح الكبرى بعد أن غيبت السلطة الدينية، وكل السياسات التي تدير البيت الأبيض لا بد من ألا تتعارض مع المصالح الكبرى لا للدولة ولا لهذه الشركات، وتطبخ القوانين التي تحكم أمريكا والعالم بناء على ذلك.

إن تزاوج هذه السلطات كان نذير شؤم على العالم وعلى الدول، وهذا ما حدثنا به التاريخ وأيده الواقع المعاصر، وإن الدولة لا بد لبقائها من انفصال السلطات الثلاث حتى تبقى، وديننا الإسلامي لا يعرف تزاوج هذه السلطات أبدًا، ويقوم في الأساس الأول على الفصل بين السلطات، وذلك لدوام العدل وضمانه.

وأبداً لن نجد في عصور الحضارة الإسلامية التي حكمت ألف عام تزاوجاً بين هذه السلطات، بل دوماً هناك فصل أو خصومة بينها.

وعلى سبيل المثال، الفقهاء الأربعة، ومن قبلهم سعيد بن جبير، والإمام الليثي، والعز بن عبدالسلام، وغيرهم الكثير والكثير، والذين تحكي سيرتهم هذا الدستور الذي قام عليه الإسلام.

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى