ثقافة و فنون

فرص الأصولية في مجتمعات متغيرة

 

 

في قاموس وبستر عرف الأصولية على أنها معتقدات دينية تقليدية تعتمد على تفسير حرفي للإنجيل.

وهو قاموس موجه بشكل عام للطالب الأمريكي فقد فسر النزعة الدينية للحركة البروتستنتية على أنها مقاومة للنزعة الحداثية ورافضة لأطروحات مايسمى بالتطور ومؤمنة بما جاء قديما في سفر التكوين عن بدايات الخلق .

وفي عدد خاص من دورية القاهرة 1993م بعنوان “قضايا فكرية “، تم  نشر دراسة فكرية عن الأصولية في أكثر من سياق عالمي، وحدد محمود أمين مصطلحا عن الأصولية في افتتاحية المنشور على أنه مفهوم سائد ومتداول في وعينا العام وفي الخطاب العربي المعاصر، ولم تختلف رؤيته الشارحة والمفسرة كثيرا عن الإصطلاح الدارج بأن الأصولية تأويل للنص الديني والفهم الحرفي له.

والحقيقة أن ما انتهت له دعوة الأصولية من نبذ لأفكار الحداثة وما خلصت له دعوة الحداثة من رفض للنزعات الأصولية، قد أعاد البعض من الأصوليين فكريا مباشرة إلى رفض الحداثة كونها في نظرهم  حركة مارقة للتاريخ، وهذا على العكس من  ما تنامى في وعي الأشخاص الذين يرون في الحداثة حركة طبيعية ومنظمة للتاريخ ويرون في الأصولية دعوة للجمود ودعوة لاختصار الحياهوفي نص ديني ، بينما الأصوليين وبطرائق ما يتعاملون مع وسائل الحداثة بشكل إنساني طبيعي وعفوي، وفي الجهة الأخرى ينظر دعاة الحداثة إلى التراث القديم بالشكل الأصولي والنظرة الجامدة  والتي تم رفض أفكار حداثتهم بها من قبل الأصوليين، إذا إن كل طرف يمارس أسلوب الطرف الآخر في الضغط والرفض وأحيانا الهيمنة المجتمعية.

 

والتراث في أصله جهد بشرى خالص منسوب إلى الإنسان  ومن بين أهم خصائصة أنه قابل للإضافة والتكملة والزيادة عليه.

فالجهد البشرى العقلي والفكري لم يفصل في كيفية التوقف عند حد معين من الأعمال ولو بنقطة يكون ما قبلها تراثا وما بعدها حداثة، بل إن عددا من القرون نشب خلالها صراعا إنسانيا وملاحم حكمها الصراع البشري هي ما حددت أوجه علاقة الإنسان بماضيه وحاضره.

إن النص الديني غالبا ما يكون هو المحكوم عليه، وتلك حقيقة الأمر فمن يفنده للبحث عن مفهوم يأصل وجه مسعاه قد يترك القيمة والرسالة الحقيقية التي يحويها النص، فنجد تلك الفئة التي تفسره على ما يتماشى و اعتقادها ونجد فئة أخرى تقدم تفسيرا يتناقض وما قدم من قبل ليس لشيئ سوى التقليل من أهمية النص وتوازنه، وكثير من النصوص في أديان سماوية قد حرفت أو محت ليحل محلها نصوص تخدم الصراع البشري، ونصوص أخرى في أديان إنسانية في غالبها تؤجج للصراع ما بين البشرية وبين الإله التي تزعم، وفي عالمنا العربي ذا الدين الغالب نجد أن الصراع أيضا بشريا خالص إلى نوايا إنسانية، ولأن الظن الغالب والركيزة الجامعة حول أن الإسلام محفوظ النص ومحكم التفسير ومتقن النقل نجد أن دعوة الأصولية هي الأقرب والأوسع مرورا بين حركات التاريخ الأكثر تقلبا في منطقتنا العربية عن ما سواها من عالم أوسع يتعرض لهزات تاريخية أعمق فى التأثير، وهذا يعد في  كنف التاريخ صراع من قوى تصنع الأزمات وتخلقها ثم تحاول تصدير الخلاف إلى أصول ما انتمت له الأفكار قديما سواء كان ذلك انتصار للنص ومفاهيمه الثابتة أو محاولات للتشكيك في المفاهيم التي أنتجها العقل الأصولي.

 

ولذلك فإن للأصولية حظ أوفر مع مجتمعات تعتز بالتراث وتهيم في أروقة اصطلاحاته.

مثل مجتمعاتنا المنغلقة على ذاتها مما يجعلنا الأكثر عرضة لتقلبات فكرية في غالبها السطحي مرفوضة حتى لو كان المضمون يخدم الدفعة الإنسانية نحو استكمال الحبو التراثي، بينما يهتز العالم من حولنا انتصارا لنظرياتة وحداثته، قد نجد أنفسنا كبشر بين مفترقين لطريق واحد،  بين عالمين لكرة أرضية واحدة، لكن مالم يستطع الإنسان إدراكه هو الإمتنان إلى الخدمات التي قدمها كل عالم للآخر، في الأشياء التى توافقوا عليها باطنيا  والأشياء التي اختلفوا فيها علانية، لهذا لايسع عالم الحداثة إنكار ما قدمة التراث من ثبات في الأفكار ورحابة في تقديم الجديد ، ولا يسع عالم الأصولية إنكار ما قدمته الحداثة من تطور وقدرة في التعامل مع أفكار كانت قديما وقع من  خيال.

والنمط الديني التقليدي أو الأصولي القديم وإن كان قد أربك  حظوظ الحداثة في مجتمعات مثل تلك التي نعيش فيها، فقد لاقى حظوظه  هو ذاتة في أكثر المجتمعات انتصارا للحداثة، ففي ستنيات وسبعينيات القرن الماضي أدت محاولات فرض مقررات دراسية في أميركا تحمل طابعا أصوليا إلى الوصول إلى حائط الصدام الأخير ، فقد سعت التوجهات البروستنتية إلى إجبار  الطلاب لو كانت لهم رغبة في دراسة مقررات عن نظرية التطور أن يدرسوا إلى جانبها مقررات حرفية عن سفر التكوين و تفسيراته الحرفية عن بدايات الخلق، الأمر الذي أنتج صراعا مجتمعيا محتدما خاصة عندما دار النقاش حول حقوق الآباء في اختيار ما يتلقاه الأبناء من تعاليم وقيم ، واستمر الصراع حتى تم الفصل فيه قضائيا إنتصارا للمجتمع الذى يقبل الإختلاف ويسعى للتحضر والحداثة، أدى الأمر إلى إنشاء عدد من المعاهد الدينية التي انغلقت فيما بعد على أعداد صغيرة من الأتباع والمريدين، وهذا فى حد ذاتة إعتبرة الأصوليين أنفسهم مرحلة إحياء مهمة لدعواهم التي وإن هزمت في وقت من الأوقات فذلك يعود لتخصيص الدعوة العامة والرسالة الأهم لخدمة مصالح بعينها.

وكان هذا المثال هو الأمر الواقع من بين عدد من الأمثلة الأخرى في أذهان من لا يرغبون فى الخطاب الأصولي ويدفعونه بدعوى الحداثة في مجتمعاتنا العربية، خاصة عندما يرون ما تحصلت علية أميركا وغيرها من الدول والمجتمعات الغربية من مكانة في خاصرة التحضر والحداثة، وظلت تلك الأمثلة ذاتها في أذهان من يرى فى إحياء التراث القديم غاية ودعوة لرفض حداثة الغرب التي انتجت توابع من الإنحطاط الديني والأخلاقي والإجتماعي، النقيضين اجتمعوا حول صلاحية المثال الغربي للأخذ به  اعتبارا برغم اختلاف البيئة والميوول البشرية والثقافة المكونة لكل مجتمع، ويعد هذا اختلال في إدراك المبادئ المشكلة للتراث والأهداف التي  يجب أن تبنى لها الحداثة، وهذا ما يجعل من الأصولية المنتمية إلى التراث القديم بأفكار أقدم من التراث نفسه، وتلك معضلة مجتمعاتنا المكونة لإشكالية تصادم الأفكار مابين الأصوليين ودعاة الحداثة من جهة والأصوليين أنفسهم من جهة أخرى، ومجتمعاتنا التي وإن تشهد تنوعا فكريا لكن الخوف و الرهبة من خوض تجارب مجددة للتراث ومولدة للحداثة  تلقى أزمة فى العقول سواء كانت مجرد أفكار فردية أو دعوة مجتمعية.

والحقيقة أننا نشهد تناميا ملحوظا للخطاب الأصولي المقترن بوعي مختل من متلقى يخشى قبل أن يواجه، وكذلك نرى كيان هش من دعوة للحداثة كونها مجرد دعوة لا تقدم سوى المثال الغربي ، لذلك وإن كانت الأصولية تحجمت في الواقع الغربي فإنها لاقت الفرص الأوفر في مجتمعاتنا المنغلقة فكريا على ذاتها ومنفتحة ترفيهيا على الآخر وكأن الحداثة مشهد غربيا خالص للغرب ولا ينتمي لأي بقعة جغرافية أخرى.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق