مدونات

فراشة يكبلها الحديد.. إلى كل الفراشات الثائرات المثابرات الصابرات

وسط حصوننا التي كنا نظنها منيعة جلسنا ننظر إلى النيران وهي تلتهم ما تبقى من متاريس نصبناها حولنا، تلك المتاريس التي صببنا عليها بأيدينا زيوتًا نشرت النيران التي كنا نتقيها زمنًا، والأدهى أن النيران لم تستأذن، لم تبعث لنا تنبيهًا، لم تعطنا الفرصة لنوليها ظهورنا ونفر هاربين، فقدنا خيار الهرب، وتيبست أيدينا عجزًا عن الوصول لأي وسيلة نجاة، لكنا لم نفقد خيار المشاهدة، ما زال أمامنا فرصة أن نرى خيبتنا بأعيننا، أن نستشعر العجز يستشري في عروقنا، أن نرقب أرواحنا تفارق أجسادنا مستبدلةً إياها ببقايا عوادم النيران المشتعلة.

لقد كنت يومًا، واحدًا من أولئك الذين يعتبرون أن لهم حياضًا مصونة، وأن صيانتها مرتبطة بوجودي بين الأحياء، أن لهم عرضًا يذودون عنه، وأن الذود عنه يكفيه شهادةً، ذكورة صاحبه، أن لنا مجموعة من الخطوط الحمراء التي تحوطنا يستحيل اختراقها، وأن مناعتها من وضوح ألوانها وارتفاع أعلام شعاراتها، فإذا بها خطوط مرسومة في أوهامنا.

اختلط لون حمرتها بحمرة دمائنا التي نزفتها دواخلنا خشية أن تفضحنا جراحنا الخارجية، لكن الجراح تأبى إلا أن تصرخ، تأبى إلا أن تنفجر ألمًا، وعندما تهدأ فإن الأيدي تعرف طريقها إليها، تنكأها، لتعاود الكرة من جديد، باحثة عن بقايا الروح التي كانت تسكن ذلكم الجسد الهامد.

على مد البصر، وتحت سلطة الأفكار المشروعة، وداخل حيز بطش يدي، لم يصل عزمي إلا إلى القلم، أشكو بمداده بثي وحزني، أبحث على الورق عن نفسي، عن روحي، روحي التي كنت أظنها في أحلامي، لكن اليقظة كشفتها، والواقع بدد أوهام وجودها.

عندما كنت أنظر إلى أولئك الذين اقتحمت سلطة الحديد بيوتهم وحياتهم، فقوضت بنيان حريتهم، وسلبتهم أمنهم وأمانهم، ولم تُبق أي معنى لحائط أو حاجز أو باب، ودهست بقدميها كل الأصول والأعراف، فطالت يد الإثم الجميع، والتفت الأصفاد حول القوارير، وساق أراذل الخلق أطهر النساء إلى ظلمات غرفات التحقيق وغياهب السجون، لتجد الفراشة نفسها في قلب مجموعة من حظائر الثيران والخنازير، ممنوعة من نسائم الهواء النظيف، مجبرة على استنشاق مخلفات الأوغاد المعبقة برائحة التبغ التي لا تتوقف.

فهذا أُخذت أخته بدلًا عنه، وذاك أخذت زوجته بعدما هرب خارج البلاد قبل أن تتمكن من اللحاق به، وآخر في غياهب السجون لا يجد من يزوره بعدما غيب سجنٌ آخر أمه خلف أسواره، عندما كنت أنظر إلى أحدهم وهو لا يملك إلا أن يطالب بالحرية في الفضاء، أو على بعض الجدران المتهدمة، لم أكن أدرك كيف تستطيع أقدامهم أن تحملهم خطوةً واحدةً إلى الأمام، كيف تستطيع رئتهم أن تأخذ نفسًا آخر يعمل على إثره جسدهم، كيف يستطيعون الحياة في عالم فقدوا فيه القدرة على حماية خواص خواصهم، وعندما حدث لي ما حدث لهم انتظرت أن ينفجر جسدي ويتحول إلى بخار، أن تنشق الأرض وتبتلعني، أن أنتهي، أن أجد نفسي في عالم آخر، لكن أيًا مِن ذلك لم يحدث، أبى هذا العالم إلا أن يبقيني عالقًا فيه، أذوق الذل، أحيا حياة القهر بكل تفاصيلها، أتجرع الهوان من كأس يفيض عن آخره رشفةً رشفة، أبذل بعضًا من الدموع، وكثيرًا من الكرامة المهدرة، وقليلًا من مواقف الثبات، أبكي على نساء وقفن وواجهن كالرجال، وعلى الفراشات اللائي تحملن ما لا يتحمله الرجال.

وفي وادي الردى، داخل حديقة الأهوال، أخذت تلك الفراشات تنتقل بين الثقوب السوداء، مستخفة بالأخطار، غير آبهة بتلك الكلاليب الممتدة من غصون أشجار الخسة، ولا تلك المصائد المنصوبة بين جذور الدناءة، طارت في مواجهة تيارات قوية من هواء ساخن بثته أفواه متعطشة لسد حاجة ملحة في التعبير عن جبنها، لصنع بطولات زائفة لم تتحقق في وادي الحياة، لقد علّمت الفراشات الأسود، علمتها أن مواقف الأسود ليست بالزئير، وإنما بالنفير، حين ينادي الحق على النصير يهون في سبيل التلبية المهج والأرواح، ويتساوى في ذلك الأسود والفراشات، ويسبق في ذلكم السباق من يصدق ويبذل ويصبر حتى تهون في ذلك الحيوات، فترتقي الأنفس إلى الجنات.

هل تذكرين حين كنا نتواصى بالثبات، نبحث في سجلات الذكريات عن موقف قديم نواجه به اليأس الجديد، هل تذكرين حين كنت تمنعينني عن مواقف الوغى، تقولين أخشى ألا تعود، وأُذكّركِ حينها بعهدنا الوثيق، ألا نولي الأعداء ظهورنا مهما حمي الوطيس، هل تذكرين حين قلت لك أنكن معشر النساء لا صبر لكن على مواقف الرجال، وأنكن مثبطاتٍ للهمم مقعداتٍ عن الجهاد، هل تذكرين أحيانًا وأحيان قمت فيها بدور الأستاذ الموجه، وكنت فيها نعم التلميذ النجيب ..
أنا الآن يا سيدتي أقف على العتبات، أرجو نظرة شفقةٍ من حكيم رفيق إلى جاهلٍ بمقادير الأفذاذ، أنا الآن أرجو الرجوع إلى مدرسة الحياة، آخذ بيديك إلى منصة التعليم، ثم أجلس تحت قدميك أنهل مما لا طاقة لعقول أشد الرجال على استيعابه، أنا الآن يا سيدتي أدرك أنك سيدتي، وأنني لم أوفِّك قدرك يوما، ولم أعطك حقك يوما، وأنني مغبون في سوق العبيد، باعته سيدته بدراهم معدودة بعدما زهدت به، لأنها استطاعت أن تقف من مواقف الرجال ما لا طاقة للعبيد به، أنا أندب الآن تلك اللحظات التي خلص إليك فيها اللئام فقيّدوا معصميك وحجبوا ناظريك، وتركوني أتجرع الحسرات لأني عجزت عن الفداء، وما أنا إلا كدمية الحقل في مهب الريح.

سأترك الآن قلمي ثم أخلد إلى النوم، لأصنع لك في أحلامي قصرًا مشيدًا مهيبًا، ستكونين أنت أميرته، وأكون لك حارسًا وخادمًا، سأموت أمامه ألف مرة قبل أن يخلصوا إليك، وإذا قتلت لن تستسلم روحي، لن تغادر قصرك، ستظل هناك تصنع حولك من الهالات ما لا يخترقه ضوء ولا نار، وحين أستيقظ وأفيق من الأحلام، سأسير بجسدٍ خالٍ من أي روح، أمر على محبسك الذي لا أستطيع الاقتراب منه، وأقول بصوت خفيض : صبرًا يا سيدتي .. فإن الموعد الجنة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق