مدونات

فخ العلم

تعد الدراسات الإنسانية هدفاً مهماً للأيديولوجيات في تحقيق أهدافها المتباينة، ولذلك تسعى جميع الأيديولوجيات على إختلاف مراميها إلى التعمق في بحوث الدراسات الإنسانية لتبرير سبل وجودها من ناحية، ولتحقيق أهدافها من ناحية أخرى.

يبرز هذا النسق في شكل جلي في قضية الاستشراق.

والاستشراق هو اهتمام الغرب بدراسة تاريخ الشرق وواقعه عن طريق الوسائل والمناهج المعرفية التي نشأت وتطورت في الغرب.

أما لماذا يدرس الغربيون الشرق من كافة الزوايا دراسة مضنية ؟!

فالإجابة هي: هناك أهداف عدة يسعى إليها الغرب من وراء ذلك وتطورت هذه الأهداف تبعاً لتغير المرحلة.

أولاً: الهدف العلمي

كان هدف الاستشراق في البداية ولاسيما بعد صدمة الحروب الصليبية التي أظهرت مدى جهل وتخلف الغرب أن يتعرفوا على العلوم الإسلامية ويحاولوا نقلها إلى الغرب وهو ما قد كان!!!

فلم يكن العرب كما هم الأوروبيون الآن يحتكرون العلم، ويصادرون التقنية ،ويقتلون علماء الدول الأخري، بل علي العكس كانت الأندلس والقاهرة وبغداد وغيرها من حواضر المسلمين تحتضن كل طالب علم أياً كان توجهه أو دينه أو ثقافته.

ثانياً: الهدف الديني

كان غالب المستشرقين الذين أتوا إلى ديار المسلمين تدفعهم الحمية الدينية، ويحركهم ثأر الهزائم النكراء التي تعرضوا لها على أيدي المسلمين، عازمين على رد الصفعة للمسلمين بأخبث الطرق وأشدها تأثيراً في الوقت ذاته.

وعليه بدأ هؤلاء بدراسة الإسلام من كل جوانبه ،كما درسوا تاريخ الأدب العربي،والسنة النبوية، وعادات الشعوب العربية،وقبائلهم، وأعرافهم، ثم بدأ الهجوم على كل ذلك فشككوا في صحة الرسالة النبوية، وزعموا أن الحديث النبوي ما هو إلا تأليف المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، واعتبروا أن الفقه الإسلامي مستمداً من القانون الروماني، وطعنوا في سيرة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، واستندوا في ذلك على الخلافات السياسية التي وقعت في العقود الأولي ليظهروا الصحابة بمظهر الساعين وراء السلطة،المتجردين من كل مبدأ وغاية.

ثالثاً: الهدف السياسي

لم يكن الاستشراق بهذه التسمية يُعرف قبل مرحلة الاستعمار، ونظراً لتأثيره الواضح إبان تلك الحقبة وكثرة المستشرقين ظهر هذا المصطلح متشح بثوب البراءة والطهر، ولكنه لم يكن في حقيقة الأمر إلا رداءاً لكافة أنواع العهر.

فقد نشأ ما أطلقوا عليه (علم الاستشراق) قبيل الاستعمار، وكان لزامً لتبرير سياسة الغرب الإمبريالية، وفلسفته الاستعمارية للشرق، فقد كان العالم الأوروبي في ذلك الوقت يتقدم حضارياً بوتيرة متسارعة، حتي شعر بأنه السيد الأوحد في هذا العالم، وأن الكون ما خلق إلا له وحده، وعليه فإن حكم العالم حق خالص له، من حقه أن يسوده، ويحكمه ويسيطر على موارده أنى وكيف شاء.

ومن هنا بدأ المشروع الاستشراقي الذي يؤصل لهذه النظرية ومفادها أن الغرب كان ولا زال مركزاً للعالم، وأن أوروبا هي شعلة الحضارة دائماً وأبداً، وأن الرجل الأبيض هو الأذكى والأدهى علي مر العصور والأزمان وله وحده حق حكم العالم وقيادته.

وكان لهذه النظرة المستعلية أن تجد تبريراً لها من خلال الأيديولوجيا التي أُنتجت  في ذلك الوقت لأن الدراسات الإنسانية لا تؤيد هذه النظرية الاستعلائية.

وقد بدأ الوعي العلمي والفلسفي في أوروبا  منذ بداية القرن السابع قبل الميلاد علي يد القبائل التي رحلت إلي أوربا في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وحملت معها علومها وحضارتها.

ومع التمازج بين المهاجرين والسكان المحليين تطورت الأفكار ونمت حتي شكلت البذرة الأولى لحضارة اليونان آن ذاك.

أما النظرة الأيديولوجية لهذه الحضارة فأنها جد مختلفة،فهي لا ترى القبائل المهاجرة التي أثرت الإرث الفلسفي  اليوناني ،وصنعت ثقافته ،كما لاتري كذلك تأثير ثقافات الشعوب الأخري في صنع العلوم الأوروبية،وإنما ماتراه هو الثمرة الخالصة لتلك الحضارة ،ومن ثم تنسبها إلي الرجل الأبيض وحده!!.

وهذا ليس غريباً بحال إذا كان منظار الرؤية بهذا الشكل  لتبرير السياسة اللاحقة التي سينتهجها الغرب تجاه الشرق.

أما فترة بزوغ نجم الحضارة الإسلامية، وأفول الحضارة الغربية وقت ذلك فيما سمي ب(عصور الظلام) فإنهم يبررون ذلك أيضاً بأن الحضارة الإسلامية لم تضف شيئاً جديداً للعلم وجل ما فعلته هو ترجمة الإرث اليوناني والحفاظ عليه، ومن ثم استرده الغرب مرة أخرى ليطوروه وليضيفوا إليه، ولما لا والعقل الغربي هو الأسمي والأعلي!!!

ولكن القوم منصفين أيضاً فأنهم اعترفوا بفضل بالغ للعرب، وهو نقلهم الحضارة الغربية والمحافظة عليها حتى جاء الغرب ليضيفوا إليها من جديد كما قال إرنست رينان !!

وكما يقال إن المساواه في الظلم عدل ،لقد عمم الغرب نظرته تلك لكل الشعوب، ولكافة الحضارات ولم يقصروها علي الحضارة الإسلامية وحسب ،فلم تساهم أى حضارة بأي شكل في مسيرة التقدم العلمي للبشرية سوي الحضارة الغربية!!

كانت تلك النظرة المستعلية مواكبة لحركة الاستعمار الأوروبي لبلاد الشرق إبان مرحلة الاستعمار المباشر، أما بعد تلك المرحلة فلم تعد تلك النظرة متسقة مع ما تنادي به القوي الغربية من قيم، وما تزعمه من مبادئ، فكان لابد من صياغة فلسفة جديدة تلاءم المرحلة الجديدة، ولكنها تراعي مصالح الغرب الاستعمارية في الوقت ذاته.

وإن كانت الأيديولوجيا في وقت سابق هي التي تبرر هيمنة الغرب ،فإن سطوة الغرب وسيطرتهم على مجالات العلوم الانسانية اليوم  تم  تطويعها لصياغة نظرة جديدة تجعل من الرجل الأبيض محوراً لهذا  العالم،وتجعل من أوروبا مركزاً للتاريخ والثقافة والإبداع .

وعليه نستطيع القول أن العلوم الانسانية ليست محايدة كما يظن البعض،ولم يكن الغرض من  إنشائها في المقام الأول خدمة البشرية، أومحاولة الارتقاء بها، وإنما تم الاهتمام بها ورعايتها لرسم صورة ذهنية تخدم مصالح الغرب في المقام الأول بعدما انتهت صلاحية العلوم الاستشراقية.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق