مدونات

فتاة الإنعاش

في الأوقات التي تبدو فيها الأشياء بأفضل حال، يحدث ألم ما فيتغير مجرى الحكاية؛ يبدئ يومي بطقوسي المعتادة، حيث ارتدى زي طبيب العيون، وأحتسي قهوه طبيب العيون، و احمل نفسي في حقيبتي الى العمل كأي طبيب عيون، و بدون أي مقدمات أصاب بألم الصدر كأي مريض قلب، كنت امارس عملي الهادئ بغرفة العمليات و فجأة الألم الرهيب الذي لا معنى له إلا أن قلبي العجوز قد بدء في التداعي؛ لقد شاخ مستودع أسراري، هل جربت ان تبتلع الموت يوما؟ تشعر به كثيفا بداخلك؟

يزداد قلقي، اخشى على الحلم الصغير ان يضيع، و بشيء من المجهود و التحامل على النفس توجهت لمستشفى القلب القريب نسبيا من مستشفى العيون، و في سرعة المحترفين تم عمل رسم قلب و اتخذوا القرار المصيري بحجزي في رعاية الدور الخامس، كل هذا عادي و يحدث لآلاف البشر غيرى يوميا، ولكن تبدء الحكاية بعد دخولي الرعاية، وأنا على السرير متصل جسدي بأسلاك تحمل ملايين الإشارات الكهربائية إلى شاشة تترجمها على هيئة خطوط تمثل حياتي العبثية البائسة، وممرضه بيضاء ترتدي كمامة تخفي نصف وجهها – مما أكسبها حقا غموض ساحر – تجلس على كرسي بجانب سريري تتابع في تركيز تلك الخطوط العجيبة المتحركة، المشكلة انها تجلس في سكون قاتل فقط تحملق في الشاشة، هنا نسيت – او بالأدق تناسيت – ما اشعر به من الم، وبدأت أتساءل، ترى ما الذي يثير اهتمامها لهذه الدرجة في إشارات قلبي؟ هل يفشي لها ذكرياتي القديمة ام أحلامي القادمة؟ إنها المرة الأولى منذ عشرات السنوات الضوئية التي أجد فيها من يهتم بقلبي، قدرة عجيبة على تحمل قلبي لساعات دون كلل، أنا نفسي لا اتحمله كل هذا الوقت!

أم هل كان قلبي مجرد عابر سبيل؟ محطة أخرى في حياتها؟ هدنة بين قلبها و قلب آخر؟ أم هو رهينة تتسلى به؟ تفتشه تفتيشا ذاتيا للبحث عن أسراره؟ و بعد أقل القليل تجتاز خطوطه، تمر بكل من ملكوه من نساء الارض لتصل لنهاية طريقه؟
ثقي يا فتاة أن قلبي صعب المنال، اعتاد المشقة منذ الأزل، مصر على البقاء على قيد الوقت، لن يبوح لك بأسراره مهما اتصلت به آلاف الأسلاك، و تذكري ان منذ ان قتل قابيل أخاه ونحن ندفن الجرائم القبيحة في قلوبنا لا تصدقي ابدا خرافة أنه قلب ضعيف، هو قلب غارق في ذاته تملئه حكايات صامتة، خالد في اقصى الكون كساعة رملية كلما نقص منها النصف زاد نصفها الاخر، وانت يا صغيرتي مجرد طفلة وحيدة بقصة شعر صبيانية قليلة الكلام كثيرة الهموم تنتظري غدا افضل لا يجيئ، كعصفور في فصل الشتاء يواجه عاصفة ثلجية، وانا قلبي مازال عامر بالإيمان قدر الإمكان و مواظب على الصلاة والدعاء وإنجاب الأطفال في أوقات الفراغ فعبثا البحث عن المعاني وسط الركام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى