مدونات

فاقد الشيء يعطيه

في المرحلة الثانوية، في ذلك الزمن المغدور البطيء والطفولة البائسة.. كان اليوم يتسع لزيارة الأقارب والأصدقاء واللعب والمرح … لم تكن لنا هواتف ذكية نمضي ساعات وليالي في متابعة أطياف الإفتراض، والانغماس في دواليبها..كانت لدينا علاقات حقيقية، نمضي جزءا من أوقاتنا معهم وجها لوجه وليس شاشة لشاشة، تعبيرا مباشرا وليس رسالة لرسالة..نرى الفرح والحزن والبسمة على محياهم، ولانستنثجها من أيقونات صفراء قد لاتعبر عما يخالجنا من أحاسيس تعبيرا دقيقا…

لنقل أننا كنا واقعيين أكثر، ومشاعرنا حقيقية وصادقة وإن لم تكن كذلك فملامحنا تفضحنا وتعابيرنا تخوننا… اليوم تفككت العلاقات الاجتماعية وتناقص التكافل الاجتماعي، أين تلك اللمة التي كانت في دروبنا، لماذا تفرقنا؟ وصرنا عبيدا للعولمة.. لماذا توجد ملايين المجموعات في فايسبوك لكنها تنعدم في الواقع، حتى اجتماعات المقاهي لم تعد محطة لتجاذب الأفكار بل فوق كل كرسي يتربع “بروفيل” وأول مايطلب هو كود الويفي، ليغادر هذا الكوكب ويتصل بكوكب الشبكة العنكبوتية. مازلت أذكر عندما أطلعني صديقي في الدراسة خالد، على موقع تواصل إسمه فايسبوك، كان ذلك سنة 2011 الذي صار ينتشر بشكل واسع…كان ذلك الشاب الذي يعشق الحواسيب والأنترنت يخبرني أن هذا الموقع، سينتشر كالطاعون.

لقد صدقت ياعزيزي خالد، لقد انتشر فايسبوك فعلا كالفيروس، بالإضافة لفيروسات أخرى دست في جيوبنا لتتجس على كل حركاتنا.

إقترح علي أن يفتح لي حسابا، رحبت بالفكرة لأنني كنت محبا للاكتشاف، خصوصا في هذا العالم الذي كنت ألجه من بوابة حاسوب “مول السيبير”، وجيل التسعينات يعرف جيدا عما أتحدث ، الأمر يتعلق بشاشة ووحدة مركزية وورقة كتب عليها وقت بداية التصفح وثمنه.

عيناك تنغرس في الشاشة، التي لاتعرف فيها إلا محرك البحث، القارب الذي يمكنك من تجوال هذا المحيط الشاسع بنقرات معدودة، ركب حروف الشاطئ الذي تريد أن ترسوا به مخيلتك وسيأخذك بسرعة البرق.. يمضي بك الوقت سريعا كأنك دخلت عالما آخر، فيه الوقت متسارع جدا، وتتحقق فيه نسبية إينشتاين حول الزمن.. إنها الأنترنت نعطيها أوقاتنا الثمينة وتسرق منا معلوماتنا الشخصية وكدا خصوصياتنا.. نفتقد الوقت ونعطيه للشبكة العنكبوتية هباءا منثورا.

كان يرافقني خالد في البداية ليعلمني قيادة قارب البحث في شبكة الإنترنت بأمان، لأن الفيروسات تنشر مخالبها في هذا العالم بشكل مخيف.. ذلك الشاب الذي يحب خدمة الآخرين، وتقديم يد العون لهم. وبعدها أرافقه لغرفة، كان يكتريها في إحدى الأحياء الهامشية، بمنزل مقسم على شكل غرف، للكراء..لنقل فندق مادون التصنيف، ولو جاز فيه التصنيف السلبي، لقلت ناقص خمس نجوم.

المهم الغرفة بائسة من حصير وبعض الأواني وموقد غاز وأحذية مهترئة، وملابس تزين الجدارن.. يبدو أنني وضعتك في الصورة، وظف خيالك وستسجل مقطع فيديو كاملا بجمع هاته الصور وأخرى لتتصور الغرفة بشكل واضح،..ما أسهل وصف البؤس يا محمد شكري وما أصعب التحدث عنه كتابة.

البؤس الذي تحدث عنه محمد شكري في رواية الخبز الحافي الشهيرة، بدقة وبموضوعية، كان إبان الاستعمار، لقد تحررنا من قبضة الاستعمار يا سيد شكري لكنني مازلت أرى الهشاشة والفقر غير أنه بدرجة أخف..لكن مع مرور السنين وتطور البشرية، يتطور مفهوم الفقر أيضا..

خالد لم يكن يأتي يوم السبت للمدرسة، الأمر الذي جعلني أقف متسائلا وحائرا في آن واحد.. تجرأت وسألته عن السبب، فأخبرني أن أبوه متوفي وأمه لاتستطيع أن توفر مصاريف الكراء والمعيشة، الحمد لله أنني أعمل في السوق لأغطي رمق حاجياتي.

يكابد صعوبة الظروف ويعرق وينشف على دريهمات يلتقطها كما يلتقط العصفور حبات الزرع.. ثم عندما كنت أذهب إليه يقوم ويحضر ماوجد لديه بل ويكلف نفسه، ماهذا الكرم يا صديقي!
كان يفتقد حصانة الأب لكنه يتمتع بها، يفتقد كرم الحياة لكنه يمنحها، لايجد رعاية لكنه يوظف بنيته القوية لا للتباهي بل للدفاع عن الضعفاء.

لقد كان في الحقيقة يفتقد لأشياء كثيرة لكنه يمنحها للأخرين.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق