ثقافة و فنون

غيوم ميسو: أقسم أني لم أضع جثة في جدار الجمنازيوم!

لا يخفى على أحد من عشاق الأدب اسم غيوم ميسو، فهو الكاتب الفرنسي الذي تتسم رواياته بتشويق خاص، طبعا ليس تشويقا يرقى إلى مستوى دان بروان، أو حتى مواطنه ميشال بوسي، بل يتميز أسلوبه بالنعومة إن صح الوصف.

هذه المرة أحضرت لكم روايته الصبية والليل، ما كنت لأكتب عن هذه الرواية، لولا الجملة الختامية، هذا غريب أليس كذلك؟ فالقاعدة هي أن الجملة الافتتاحية ربما كانت هي السبب في قراءة كتاب كامل، ولكن هذا المشاغب، قد قدم لنا فصولا أخيرة-ليس فصلا واحدا-مليئة بالدهشة، برأيي منحت الرواية بعدا أفضل، فالأحداث تدور في مسقط رأس غيوم ميسو، والبطل كاتب في عمره تماما، إذن ما الذي يمنع أنه يكتب عن حدث وقع له في حياته الماضية؟

لا شيء في الواقع، باستثناء أن البطل، قد ارتكب “جريمة قتل” وهذا ما جعل غيوم يقسم على براءته في النهاية (أقسم أني لم أضع جثة في جدار الجمنازيوم!)

هذه الرواية ليست مملة على الاطلاق، لكنها أهدأ نوعا ما من أن تكون رواية إثارة، ولكن ما أثار غبطتي هو موهبة الكاتب الفذة، تبدو الحبكة في يديه أشبه بالحديد الساخن وهو يستحيل عجينة هشة بين يدي الحداد الماهر، غيوم ميسو كان بارعا إلى هذه الدرجة، مع أنه أغضبني، حين جعل بطله يبرر أفعاله، بطريقة غير عادلة، وهو يصفه بالشخص الطيب الذي عاكسه الحظ” فقط” وهي للأسف مسألة مبادئ على ما يبدو، وهو ما لا أستطيع لوم الكاتب عليه، ففي النهاية هو المؤلف، وهو المسؤول عن الانطباعات التي تخلفها روايته، وهي رواية في أحداثها الثانوية جاءت عميقة جدا وواقعية، عكست أراءه حول السياسة، وقضايا مجتمعه، على مدار خمس وعشرين عاما، ورصد بحنكة كافة التغيرات في المناخين السياسي والاجتماعي في فرنسا.

وكما قلت في أحد الفصول الأخيرة بعد فك العقد وهدوء وتيرة السرد، يقدم لنا ميسو هدية رائعة، أسكرتني وملأتني بالذهول، ولا أملك أمام عبقرية كهذه سوى الانحناء باحترام.

فالضحية البائسة استحقت أن يمنحها الكاتب بداية أخرى وكأني به يستسمحها على العبث الذي عاث به إفسادا لحياتها السابقة التي لم يمنحها لها بعدل كاف.

وأقتبس عنه «هاجِموني ما شئتم، احكموا عليّ إن شئتم، أفلسوني ودمروني، سوف أجابهكم بسلاحيّ الوحيدين: قلم حبر جاف عتيق ومقضوم، ودفتر ملاحظات متجعد، سلاحان تافهان وفتّاكان في آن واحد. لم يخذلاني يوما، ولطالما اتكأت عليهما لأجتاز الليل ويبزغ فجر جديد»

قبل أن أختم المقال لا ضير من تزويدكم بمعلومات مهمة حول رواية الصبية والليل:قام بإصدار ترجمة الرواية باللغة العربية المركز الثقافي العربي، وقد صدرت عام2019 بغلاف بسيط ليس فيه أي تعب في التصميم بل تمت الاستعانة بصورة تبدو كأنها اختيرت عشوائيا من موقع shutterstock. ولم يذكر اسم المترجم صراحة، لكن الترجمة عموما كانت جيدة ما عدا بعض الأخطاء النحوية الطفيفة. عدد صفحات الرواية 370 صفحة.

عموما رواية تستحق الوقت الذي ستنفقونه لقراءتها، فهي من الروايات المحفزة لك خاصة إذا كنت كاتبا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ماريا محمد

كاتبة ومعلقة صوتية، أهوى التصميم الجرافيكي والتصوير الفتوغرافي بالجوال، عملت مدققة لغوية مع دار عصير الكتب، وصانعة محتوى مرئي للفيسبوك لشركة خاصة اعدادا واخراجا وتعليقا، كما كانت لي تجربة سابقة في الاعداد الاذاعي لراديو باند وهي اذاعة عبر الانترنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق