مدونات

«غلابة» لا طبيب لهم.. لماذا لا يفعلها الأطباء؟

“فقد العالم إنساناً عظيماً كرّس حياته لمساعدة الفقراء وعلاجهم بمقابل رمزى وبدون مقابل”، المتحدث باسم الحكومة البريطانية، في نعي طبيب الغلابة الراحل محمد مشالي.

لن أكثر الحديث في هذا المقال عن طبيب الغلابة فالرجل لم يعد بحاجة لذلك، بل بدا من هيئته وعيشته الزاهدة أنه لم يكن بحاجة إليه في الدنيا.

اقرأ أيضًا: محمد مشالي.. السماء تسترد وديعتها تحيطها دعوات الغلابة

لكن هنا بعض الملاحظات الهامة:

  • إذا عامل طبيب الناس بإنسانية، يجد كل هذا الصيت ويعرفه القاصي والداني؟! وهل لهذه الدرجة أصبحت الإنسانية عملة نادرة!
  • كيف وصل بنا الحال للفخر بطبيب لأنه (إنسان)؟
  • كيف أصبح إنسان مثل طبيب الغلابة “مشالي” مثار إعجاب وتقدير من كل من يعرفه لا لشيء سوى لأنه (إنسان)!
  • مهنة الطب إنسانية في المقام الأول، إذاً لماذا حينما يتعامل طبيب بإنسانية يصبح ذلك مدعاة للإعجاب والدهشة معًا، ولماذا يسمى طبيباً واحداً على غرار محمد مشالي بأنه (إنسان)، مع أن جميع الأطباء الآخرون هم أيضًا (أناسيّ).
  • إن تسمية شخص واحد بعينه بأنه طبيب الغلابة هو شيء يدعو إلى التأمل في كيفية تعامل الأطباء الآخرين مع “الغلابة”.
  • هل أصبح من النادر أن يجد الناس “الطبيب الإنسان” الذي يتعامل برفق ولين دون تعال أو عنجهية، ودون الإحساس الدائم بتقصير المجتمع في حقه!
  • نعم إن تسمية الرجل بالإنسان أو طبيب الغلابة لا يمحي الصفة عن غيره من الأطباء، لكن على الأقل يوحي بأن (الغلابة) لا يكادون يجدون من يعاملهم بإنسانية، وأن هناك صعوبة ما في العثور على تلك النوعية التي تتعامل برفق يحتاجه أكثر ما يحتاجه المريض.

ليس المقصود هنا الانتقاد أو الانتقاص من فئة نُجلّها جميعًا هي فئة الأطباء، خاصة بعد المواقف المشرفة لكثير منهم أثناء أزمة كورونا الحالية. الغرض ليس نقد الأطباء أو نفاقهم، هم فئة من المجتمع تحمل ما يحمله المجتمع من مميزات وعيوب، منهم الصالحون مهنياً وأخلاقياً ومنهم دون ذلك.

كما أننى لا أطالب هنا بالاحتذاء بما قام به طبيب الغلابة في تحديد قيمة الكشف بـ10 جنيهات كما كان يفعل الدكتور محمد مشالي رحمه الله، لا نطمح فى ذلك، مع العلم أن هذه العشرة جنيهات لو تم ضربها فى متوسط (50) كشفاً يومياً، يصبح دخل الطبيب فقط من عيادته الخاصة خمسمائة جنيهاً يومياً، وأظنه رقماً كافياً لأن يعيش الطبيب وأسرته حياة مستقرة مادياً، مع ذلك لا أطالب بهذا.

أقصر حديثي هنا عن مشكلة واحدة يستطيع الأطباء حلها بسهولة ودون أن يؤثر ذلك قيد أنملة على عملهم أو دخولهم المادية، مشكلة تتسبب فى معاناة آلاف بل ملايين المرضى، وحلها يعمل على التخفيف من معاناتهم وآلامهم. تلك المشكلة يستطيع أن يزيلها الأطباء بمنتهى السهولة، ولكن لا تجد أكثرهم يفعلون.

المقصود هنا هم فئة بعينها من الأطباء وهم ذوو العيادات أو المراكز الطبية الخاصة.

تتمثل المشكلة في الأعداد المهولة المتكدسة في معظم العيادات والمراكز الخاصة، حتى في زمن الكورونا، أصحاب أمراض خطيرة ومزمنة لا يستطيعون الانتظار مجرد ساعة، ومع ذلك يُجبرون على الانتظار بالساعات، ولك أن تتخيل حجم ما يعانيه هؤلاء المرضى من الآباء والأمهات والأخوة والأخوات من معاناة بدنية، إضافة إلى معاناة الانتظار الرهيبة، إنهاك جسدي ومعنوي لأناس لا يستحقون منا ذلك، ولا يجدون غير ذلك سبيلًا. مشهدٌ كفيل باستدعاء كل مشاعر القلق على المستقبل لديك، وتتمنى لو أن بينك وبينه أمدًا بعيداً.

أجدني أتسائل لماذا هذا الانتظار الطويل الشاق المرهق المُمرِض في كل العيادات الخاصة، مع أن الذي يذهب لهذا النوع من العيادات هو مريض قَبِل أن ينفق من ماله الخاص الكثير، بُغيةَ أن يجد طريقة أكثر رحمة وأقل مهانة للعلاج، أو غالباً لم يجد الطبيب في المستشفى الحكومي، فذهب ليجده في عيادته الخارجية. فهل يعقل بعد كل هذا أن يذهب لهذه العيادة الخارجية فلا يجد أيضاً المعاملة الكريمة.. أين يذهب إذاً!

أحد الأسباب الرئيسية في المشكلة (التكدس والانتظار) قلة استخدام التكنولوجيا الحديثة في الحجز والتعامل مع المرضى، يليها أسباب مثل بهجة داخلية لدى بعض الأطباء برؤية عيادته مزدحمة بالمرضى، حيث يرى في ذلك علامة نجاحه ونبوغه، كما يستخدم آخرون ذلك الزحام كنوع من الدعاية لنفسه. والبعض الآخر يوظف الزحام بجعله فرصة لموظف الحجز بالعيادة لكي يتربح المال عن طريق الإكرامية أو “البقشيش” التي يضطر لها المريض المسكين الضعيف، الذي اضطرته ظروفه وحظه العَسِر إلى الذهاب لذلك الطبيب.

ومع أننا وفي زمن الثورة التكنولوجية والاتصالاتية الحديثة يستطيع الطبيب أن يستقبل نفس العدد أو أكثر دون أي تكدس أو انتظار.

الحل، يمكن فيك أخي الطبيب، لن نطلب منك في أن تكون طبيب الغلابة الجديد، لكن لا تكن سبباً في معاناة مرضاك، مع قدرتك على تجنيبهم هذه المعاناة. شيء يسير مثل ما يقدمه محمد مشالي يجنب آلاف بل ملايين المرضى معاناة تضاف إلى معاناتهم. الحل باختصار، والذى أراه ضروريًا وبديهيًا وحيويًا وعاجلاً، هو إلغاء زيارة أي عيادة دون حجز مسبق، والحجز عن طريق الإنترنت أو أي وسيلة اتصال أخرى، مع تحديد موعد لبداية الكشف وانتهاءه، وتحديد الفترة التي يستغرقها الكشف. وبالتالي عدم السماح سوى لمريض واحد أو اثنين على الأكثر بالتواجد داخل العيادة.

أنتم تعرفون الطريقة جيداً؛ وهي معمول بها في كل الدول التي تحترم الإنسان، ما الفائدة من التطور التكنولوجيإذا لم يستخدم لتخفيف الآلام وتيسير الأمور.

قمة المأساة موظف يحتاجه الناس ولا يجيد استخدام الكمبيوتر والإنترنت والتكنولوجيا الحديثة، الكمبيوتر ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه.

أعرف عيادات لأطباء تقع في الطابق الثالث والرابع دون مصعد، مع أنها عيادات أمراض قلب. تخيل! هل تخيلت؟ إلى هذه الدرجة.

حتى لا نتفرع، أركز فيما طُرِح أعلاه، الحل سهل يسير وهو استخدام مواقع الإنترنت أو السوشيال ميديا أو أي وسيلة اتصالات في حجز موعد زيارة الطبيب على أن يتم تحديد الوقت تحديداً دقيقاً، مثلًا موعد المريض (س) هو من الساعة الرابعة عصراً وحتى الرابعة والربع، والتالي من الرابعة والربع حتى الرابعة والنصف، وهكذا..

أعلم أن الجواب سيأتى بأن كثير من المصريين لا يلتزمون بالمواعيد، أو ما الذي يلزم المريض بموعد حجزه عن طريق الإنترنت.

وهذا قول تنقصه الدقة، المصري يلتزم إذا رأى الجِدّية. فقط قرار يَصدُر ويُلزم الجميع من مجلس الوزراء وتتبناه وزارة الصحة، وبالتعاون مع نقابة الأطباء، تجد الأمر طُبق بمنتهى السهولة. نحن لا نخترع العجلة، فالأمر معمول به فى كل الدول التي تحترم الإنسان منذ عشرات السنين، وهو في صالح الطبيب والمريض معًا.

أثبتت أزمة كورونا أن الدولة تستطيع أن تفرض الإجراءات مهما كانت هذه الإجراءات، وأن المواطن يلتزم بها حينما يراها في مصلحته؛ حظر التجوال، غلق الملاهي والمقاهي والشواطئ العامة، غلق المساجد، والمحلات، كلها إجراءات اتخذت وتم تنفيذها. حينما توجد الإرادة يتم التنفيذ بمجرد صدور القرار.

أيها الأطباء العظماء أبناء المهنة الجليلة الراقية، نعلم أنكم تستحقون وضعاً أفضل طالبتم ومازلتم تطالبون به، ويكفي وقوفكم أو وقوف الكثير منكم وقفة شجاعة نبيلة أثناء جائحة كورونا. نعلم كل ذلك ونقدره جيداً، وننتظر منكم الكثير، دمتم بخير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

على الفقى

على الفقى كاتب مصرى له عدة مقالات بصحف ومواقع مصرية وعربية، يهتم بالكتابة فى المجالات الاجتماعية والتربوية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق