مدوناتمقالات

غرق السفينة

ليس هناك لحظة أشد على القبطان من غرق سفينته وهي تحمل على متنها العديد من أرواح البشر الأبرياء، فبعد أن وثقوا فيه واطمئنوا للمستقبل معه وتخيلوا أنهم بلا شك سيصلون لبر الأمان في سلام دون أن يصيبهم أي مكروه بعيدا عن الكوارث الطبيعية التي ليس للقبطان حيلة فيها، فبلا شك أن دراسة علوم البحار قد تكون كافية وشافية للقبطان لكي يقود السفينة بكل سلاسة، الجميع تحت قيادته يلبون نداءاته ويطيعون أوامره ويوفرون المناخ المناسب لتهيئة ذهنه وجعله صافي الأفكار، ولكن هل قدر القبطان كل ذلك أم انحرف عن الطريق المستقيم وفعل أشياءا كثيرة بعيدة كل البعد عن المنطق والعقل والتصور الطبيعي وتسلسل الأفكار وكيفية البناء من جديد حتى وإن تهدمت السفينة وفعلت بها الأفاعيل على مدار العقود الفائتة، تنمية الإنسان أبقى وأوفى وأولى ثم تأتي تنمية الجماد ثانيا.

جاء القبطان من بيئة مختلفة والظروف أوقعته في هذه المهمة التي لم يكن يحلم بها وأراد أن يقود السفينة بعقله الخاص بعيدا عن الأبجديات والبديهيات المنصوص عليها في استحضار لبنات الأفكار وتبني الخطط العلمية والإنصات للمعلمين والعلماء والخبراء، فقد تصور القبطان أن خبراته الحياتية وأحلامه الواهية هما السبيل الوحيد وليس غيرهما القادران على صنع المستحيل بالقوة الجبرية ومن ثم تفرغ للشو الإعلامي وحب الذات والآنا ومحاولة حفر اسمه في سجلات البحارة العظام بأعمال خارقة في ظاهرها وضئيلة جدا في مضمونها أدت في النهاية لكارثة اصابت المجتمع الذين سلموه أعناقهم بدون تفكير حتى صاروا كالقطيع المطلوب منه فقط الإستماع وعدم الحديث وهو ما يسمى مجازا بالطاعة العمياء والذين أصبح حالهم لا حول لهم ولا قوة، وولد من رحمهم دروايش كثر ومنافقين أكثر وحاشية من أباطرة الفساد وبطانة من القوادون المارقون، مجتمع السفينة تشبع من التشرذم والمصالح الخاصة والإنحطاط الأخلاقي والقتل المبرر والغير المبرر، وإمتهان بين لكرامة الإنسان وبيعها بسوق النخاسة بثمن بخس.

تتلاطم الأمواج وتتهاوى السفينة يمينا وشمالا، لا مانع من إطعام الأسماك والحيتان بأشهى أنواع الطعام من لحوم البشر، أطواق النجاة فقط لعالة القوم والحطام والبراميل والألواح للأغلبية المطحونة، ضاعت البسمات وساد الذهول المكان، ههيهات من عين لا تبصر ومن عقل لا يتدبر ومن قلب لا يخشع ومن صدر لا يثلج بالإيمان ومن ظهر لا يقوي على العمل ومن هامات دهست جباها في التراب نتيجة التسليم ورفع رايات الذل والإمتهان والإنكسار، هل مات الشرفاء في البلاد وصعد الأنجاس لعنان السماء كما ظنوا، نحن من نصنع التوابيت بأيدينا ونكل ونتعب في إتقان صنعتها ومن ثم نكون أول من يلقى بداخلها كالقرابين الضالة، ألا من إفاقة من التوهان والتغييب والضلال.

هل صرنا كالأجساد الخاوية التي يفعل بها السافرة، ربنا إليك نستغيث وبقدرتك نستجير، وبسلطانك ندعو الرحمة لأجسادنا وأرواحنا ممن غوى وفسد واستبد واهان وعذب واخفى البشر عن العيون، وجعل الظلام الدامس هو نور الأبصار، وحرم الشمس عن الوجوه والقمر عن الوجود، أيدينا زحفت في التأييد ولساننا صفق للتمكين وتغاضينا عن إسالة الدماء ونسينا الأرامل والأبناء والآباء من بحار الدموع والحزن والكرب والبعد والفراق، قذفناهم بسلاح فتاك قضى على ما بقى منهم، كلنا مسؤولون وملومون ومفرطون في الحقوق، بسبب كرهنا لفئة بعينها نعتنا الجميع بالعمالة، الفساد الصغير له رب فاعملوا العقل وابحثوا عنه، سكتنا سكوت الشياطين الجبناء وخفنا من أسد واحد ونحن أكثر عددا حتي وإن قضي الاسد على عشرنا فقد حيينا النسبة العظمى، وإن تحركنا أوجس الاسد خيفة في نفسه، وهرب في أنفاق شروره وعاصمته الموبوءة، يطلب العون ممن أجلسوه على ربة القيادة.

دعونا نستلهم من الماضي العبر ومن الحاضر الإرادة ومن المستقبل الإزدهار لأبناءنا، طوبى لنفس لا تشبع ومن قدما لا تسلك طريق الخير لها وتساعد أيضا أن يجنيه الآخرين، لا ينفع مالا ولا بنون عند يوم القارعة،  ماذا تنتظرون ولماذا تفكرون وأنتم صامتون، تعلموا من الحمام كيف لقوتهم وتجمعهم واتحادهم قادرون على الإنتصار على شبكة الصياد والطير بأجنحة الأفكار ترفرف على رؤوس الأشهاد وتعطي الامل لنفوس قد أوشكت على الموت، تقديس القبطان عار على المجتمع فهو إنسان وليس ملاك منزل من السماء، يصيب ويخطأ ولكن في حالتنا ونقولها بكل صدق وايمان نابع من قلوبنا بأنه للخطايا رئيس والشرور ملكا وللصوص قائدا والخائنين فارسا، وجاءت اللحظة الحاسمة للنتيجة الفجة بعد كل ما اقترفه القبطان وصارت السفينة على وشك الغرق، بدلا من أن تكون السفينة مسرحا للحياة أصبحت مسرحا للجريمة على سطح المياه، وصاح الناس في ذهول ما العمل! جثث تفحمت وآخري طفت على سطح المياه، وتعلق ثالث بالرقاب.

جاء الرد سافرا من القبطان ومفاخرا ماذا أفعل؟ أنتم السبب في الغرق، فأنتم لم تتقنوا أعمالكم وتكاثرتهم وحان وقت تحديد نسلكم، تحدث القبطان في نبرة عالية لقد إقترضت كل القروض الممكنة لإعانة السفينة ولكني كنت ابغي الشكل الخارجي وتجميله للعالم وشراء التأييد الدولي والإعتراف الأممي بعالم البحار، ونسيت العلل والشقوق الموجودة والمترصدة في أسفل السفينة ظنا مني أن العالم سوف ينخدع ويستمر في امدادي بالقروض التي تسهل طريقي وتثبت جلوسي على كرسى القيادة وان أبقى القبطان الأوحد حتي الممات، كذبا أنا فدائكم، الأصدقاء ساعدوني سابقا وفي الأخر فطنوا لأخطائي وتوجهاتي وابتزازي فتوقفوا عن إرسال المعونات، وطمعوا في شراء أجزاء من السفينة والمشاركة في إدارة الدفة، المساعدة بدون مقابل أصبحت من الماضي، فالحاضر متغير والسفن العالمية تحاصر بعضها البعض، والعالم زادت فيه الحروب وتبارت القوى في التكتلات، والتأثير السلبي أصاب الجميع وكل كيان يبحث عن مصلحته أولا ثم أولا ثم أولا، وآخرا اللهم سلمنا من الغرق ومن شرور من يقودنا بلا أمل ونسى أن هناك محطات لا بد من التمعن فيها مثل الموت والبعث والخلود، وسيكون القبطان أول من يقفز من السفينة عند غرقها ومعه مساعديه وحاشيته الآثمين، فماذا نحن فاعلون عندما تأتي الطامة الكبرى.

زر الذهاب إلى الأعلى