مدونات

عين القضاة الهمداني .. الإله الفارسي الذي سلخوا جلده واحرقوه

كان في ذلك الزمان كثير ممن يدعي النبوة، من الشعراء والفلاسفة والحكماء والعارفين، ولكن قليل منهم من تجاوز حد ذلك فيدعي الألوهية، وهو أمر غريب على الخلق ومثير للجدل، ولكنه في الوقت نفسه أمر يبعث الشك والريبة في قلوب الناس، والأكثر من ذلك أنه يزعج السلطان ويهدده، ويجعله في حالة قلق دائم.

فالحكم الساري على من يدعي النبوة أو الإلوهية هو القتل، ولا رجعة في ذلك مهما بلغ الأمر، ويعود الأمر للسلطان وجلاوزته للتفنن في أساليب القتل والتعذيب.

والحديث هنا عن أحد أبلغ حكماء الفرس الذي أدعى الألوهية في مطلع القرن الخامس الهجري وهو الشاعر والعارف والمتصوف والفيلسوف أبو المعالي الهمداني، الشهير بعين القضاة الهمداني.

لقد جاء في كتاب “خريدة القصر وجريدة العصر” ذكر سيرة الهمداني ومنها :
“وإنّه كان من أعيان العلماء، ومَن به يُضرب المثل في الفضل والولاء، ولم يشرق الغزالة بعد الغزالي على مثله في فضله. وجرى في التصانيف العربيّة على رسله أبدع معانيًا في الحقيقة، وسلك فيها طريق أهل الطريقة، وملك التصرّف في كلام التصوّف، وفاح عرف عرفه في المعرفة، وتشرّبت القلوب ماء قبوله، وانتشر صيته في حزون الدهر وسهوله، واتّخذ قصده مَنسكًا، واغتنمتُ زيارته تيمّنًا وتبرّكًا.”

ومن جملة ما يقوله عين القضاة الهمداني حول مصيره :
“في المدينة يقولون أن عين القضاة يدعي الألوهية، ويفتون بقتلي. إذا طلبوا منك أن تفتي فلا تبخل بفتواك، لاني طلبت في دعائي هذا القتل مرارا، ويا حسرتي كم بعيد هذا الأمر! متى سيحين؟”

لقد وصلت للسلطان محمود السلجوقي وهو في آخر أيامه أخبارا عن عين القضاة الهمداني أفادت بأدعاه الألوهية، وكان وقتها في بغداد ولم يتجاوز عمر الثالثة والثلاثين، فسجن هناك ثم جيئ به إلى مسقط رأسه بهمدان، وحجز في المدرسة التي كان يدرس فيها، في إحدى ليالي جمادى الآخرة سنة ٥٢٥ هجرية، فحكم عليه بالإعدام شنقا، ويقول الرواة أنه عندما علق على المشنقة قبلها وتلى الآية : “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون” وفارق الحياة، ثم أنهم انزلوه فسلخوا جلده، ولفوا جثته في غطاء منقع بالزيت واضرموا به النار، وكان ذلك ليلا دون علم أحد وعلى ضوء شمعة صغيرة، والبعض يقول انه قد حدث ذلك أمام خلق كثير من محبيه ومبغضيه، كما قيل أيضاً أنه هو من طلب أن تحرق جثته.

كان عين القضاة الهمداني على علم بمقتله، وقد سبق أن تنبأ بنهايته المأساوية، لذلك كتب رباعية يقول فيها :
ما مرگ و شهادت از خدا خواسته‌ایم
وان هم به سه چیز کم‌بها خواسته‌ایم
گر دوست چنین کند که ما خواسته‌ایم
ما آتش و نفت و بوریا خواسته‌ایم
ترجمتها :
سألت الله الموت والشهادة
وأيضا طلبت منه ثلاثة أشياء أخر
إذا فعل ذلك أحد أصدقائنا ما نريده
النار والزيت والسجاد هو ما نريده

ولد أبو المعالي عبدالله بن محمد بن علي الميانجي الهمداني عام ٤٩٢ هجرية، في همدان لأسرة شافعية تربى فيها على علوم القرآن والفقه والتصوف، انتقل إلى نيشابور ليدرس فيها على يد الشاعر الفيلسوف عمر الخيام، ثم إنه تتلمذ على يد الشيخ أحمد الغزالي والذي كان من اشطر وانجب طلابه، وقد تأثر كثيرا بأفكار أخيه أبو حامد الغزالي، وذهب مذهبه في العلوم والتصوف، وكان الرواة يقارنونه دوما بالغزالي لسعة علمه وغزارة مؤلفاته، ونبل أفكاره.
كما تأثر الهمداني بابن سينا، وأثر الهمداني في كل من ابن العربي، وملا صدرا، ونصر الدين الطوسي، وفريد الدين العطار، والسهروردي، وجلال الدين الرومي.
لم يزل عين القضاة الهمداني شابا حتى برع في الرياضيات والفيزياء وعلم الكلام والحديث والفقه والفلسفة والأدب، وصار حديث زمانه لعبقريته الفذة وروحه الشبابية اليافعة، فقد تبوأ مكانة رفيعة بين علماء وحكماء زمانه.

لم يقرأ الناس في زمانه أفكارا عن الإلحاد والزندقة والجحود في الحكمة والدين مثل أفكار عين القضاة الهمداني، وقد اشتهر عنه أنه يفصح عن أسرار لا يمكن البت بها، وكان يبث بها عند العارف الحسين بن منصور الحلاج، ولأجل ذلك تأثر به كثير من الناس وصار له مؤيدين واتبعوا أفكاره وانبهروا بمقولاته وشطحاته، الأمر الذي خلق له أعداء وحساد، وصاروا ينسبون إليه ما لم يقوله، أو يأخذون بعض أقواله بظاهرها فيأولونها إلى مقاصدهم. وإضافة إلى ذلك كان الهمداني وطنيا متمسكا بوطنيته وهو ما كان يزعج الدولة السلجوقية، حيث كان يعتبرهم مغتصبين لبلاده وارضه.

وللهمداني مؤلفات كثيرة جدا، لم يتم العثور على بعض منها، ونذكر ما هو مشهور منها :
اللوائح / المكاتيب / التمهيدات / زبدة المعاني / غاية الإمكان في دراية المكان (رسالة في الزماكان) / زبدة الحقائق في كشف الدقائق (بالعربية) / رسالة شكوى الغريب عن الأوطان (بالعربية) / رسالة معرفة الله / الرسالة العينية.
ومن أشهر كتبه وأهمها هو “التمهيدات” الذي عني بالتحقيق والترجمة والنشر، وله مكانة خاصة في التراث الفارسي، بالإضافة إلى ديوان الشعر والرباعيات التي كتبها باللغة الفارسية البهلوية (الفارسية القديمة).

ومن جملة أقواله وحكمه:

“لو أرادت النملة أن تذهب من همدان إلى الكعبة لتعذر عليها الأمر، لكنها إذا ما بذلت جهدها ووقفت على جناح حمامة أو باز فسرعان ما يوصلها الطائر إلى الكعبة. لا يترتب على النملة إلا أن تجد لنفسها محلًا على جناح الحمامة، وما تبقى فليس من عملها”.
▪️
“إن العقل معزول عن إدراك كثير من المحسوسات الظاهرة، فحسبك عن المعقولات الخفية.”
▪️
“عشق الله رأس مال السالك، ولا شيخ أبلغ من العشق، كما أن الدليل على الله هو الله، فالشمس لا تُرى بالقنديل، بل تُعرف الشمس بالشمس. وهذا معنى قول الصديق: عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي”.
▪️
” كل من عشق وكتم عشقه ومات في عشقه، كان في عداد الشهداء. ”
▪️
“إن لم تخرج من عبادة العبادة، ولم تكف عن هذا السلوك،  لن تصل إلى نقطة التحلي بالحقيقة. ”
▪️
” إن الصورة في المرآة فانية في الحقيقة، ولا بقاء إلا للصورة الخارجة. ”
▪️
” إن لم يكن العشق راسخا في الدم واللحم والجلد والعظم والوردة والأعصاب سيكون ناقصا غير مكتمل. ”
▪️
” من عجائب آيات القرآن أنه مشعر بأن كل شيء حاضر له، وأنه حاضر مع كل شيء. ”
▪️
” أعلم أن الله كان موجودا ولم يكن معه شيء، أذ ليس لشيء مع وجوده رتبة المعية، ولا يتصور أبدا أن يكون معه شيء، فالله ليس معه شيء ولكنه كل شيء، ولولا معيته مع كل شيء لما بقي في الوجود موجودا. ”
▪️
“ليتني أصبحت جاهلا كي أتخلص من نفسي.”
▪️
“أخبرتك أن العشق يرتفع بالرؤية والحضور وليس بالغياب والهجران. ”
▪️
“ما تعرفه عني هذا ليس أنا، هذا انت. ”
▪️
“وأما الطريق إلى الله فهو ليس في الأرض ولا في السماء، لا في الجنة ولا في العرش، أنه في داخلك. ”
▪️
“سألوا منصور الحلاج أنت على أي مذهب؟ قال أنا على مذهب ربي.”

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محمد عبد

مدون مهتم بالأدب الفارسي والثقافة الإيرانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى