سياسة وتاريخ

عودة شبح “السفر برلك” إلى سوريا

السفر برلك هو إعلان النفير العام في عام 1914 استعدادًا للحرب الذي أعلنته السلطة العثمانية، وبموجبه اقتادت الشباب العربي إلى القوقاز لمواجهة دول التحالف، بعد أن انضمت إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، ضمن ما كان يدعى دول المحور.

ومن الجدير بالذكر أن معظم الذين تم اقتيادهم ماتوا جوعًا وعطشًا ولم يعد منهم إلا القليل، واليوم يعود هذا الشبح وبنفس المستوى الوحشي مع اختلاف بسيط، أن المجندين في السفر برلك كانوا مدفوعين بالإجبار لكي يقاتلوا بعيدًا عن بلدانهم دفاعاً عن سلطات الباب العالي، لكونهم يقطنون في بلدان تابعة للدولة العثمانية.

أما الآن فهم مدفوعون بسلطات تفوق سلطات العثمانيين، ورعب يفوق رعب الخازوق العثماني، مدفوعين بسوء المعيشة والفقر والعوز والجوع، أو لتسوية أوضاعهم مع الاحتلال الروسي وعدم معرفتهم بحقيقة الأمور.

ولكي تزداد الأمور تراجيدية فقد جند بعض السوريين من قبل تركيا للقتال مع حكومة الوفاق إذا صدقت الأنباء الواردة من مصادر إعلامية سعودية؛ كقناة العربية أو إماراتية سكاي نيوز عربي، على الرغم من أن أغلب هذه الأخبار قد تندرج بالبروبجاندا المعادية لتركيا.

والطرف الآخر جند من طرف الروس كذلك إذا صحت الأنباء الواردة من وكالة قاسيون للأخبار أو من هيئة حوران الإخبارية، من خلال اقتياد العناصر المنشقة عن النظام والتي تريد تسوية أوضاعها إلى معسكرات تدريب، وبعدها يتم تجنيد المتدربين إلى صالح شركة فاغنر، ونقلهم إلى ليبيا للانضمام للقتال إلى صفوف حفتر ضد الوفاق.

وهكذا تدار المعارك في ليبيا، ليكون على طرفي القتال سوريين من أبناء البلد الواحد، وهنا عزيز القارئ إياك أن تسفه الموضوع وتقول في قرارة نفسك جنت على نفسها براقش، وأن من رضي لنفسه أن يكون مطية للغير فهو (يستاهل) هذا المصير، فعزيزي القارئ سواء كان من يقاتل بجانب تركيا في ليبيا من السوريين بحثاً عن الأمان لعائلته التي تقطن في تركيا والتي ستكون مهددة فيها، أو على الأقل قد يستطيع أن يرسل لأهله ما يسد جوعهم ويترك في نفسهم أثر جميل منه.

أو أولاك الذين يريدون أن يهربوا من الخوف الذي يلاحقهم من إلقاء القبض عليهم من قبل الجيش السوري الذي انشقوا عنه، لكي لا يقعوا تحت جرم قتل أبناء بلدهم بأيديهم، وما يتبع ذلك من اعتقال وتعذيب وموت تحت التعذيب إذا ما أمسك بهم جيشهم الباسل، فكلا الطرفين يضحي بنفسه من أجل هدف نبيل في رأيه.

فالسوريين في محنتهم لا يملكون ترف الاختيار، فالخيار محدود إن لم يكن محتومًا.

وهنا يستحضرني الأسلوب الشعري لمحمود درويش فأقول: عزيزي المقاتل في ليبيا؛ وأنت تضغط على زنادك فكر بغيرك مَن جندوا بغير اختيار، وأنت تقتل عدوك فكر بغيرك مَن أصبحوا أعدائك بسلاسل الإجبار.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Bahaa Hariri

اجازة في العلوم السياسية دبلوم في تخطيط الدولة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية دبلوم في الادارة المحلية ماجستير في العلاقات الاقتصادية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى