علوم وصحة

عودة البحث العلمي للواجهة في ظل جائحة كورونا

المتابع للإعلام التونسي وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي يلحظ بسهولة كثرة الحديث عن المناعة والفيروسات والأدوية والبحوث الطبية، وكذلك المقالات العلمية؛ كما اكتشف الكثير منا مجالات جديدة من البحث العلمي في ظل كورونا ووجدوا أنها مرتبطة بالطب كالرياضيات وعلوم الإحصاء والهندسة البيولوجية والكيمياء والذكاء الاصطناعي، وقد كان الربوت الذي صنعته أيدٍ تونسية، والذي استعمل في الشارع لحث الناس على احترام الحجر الصحي مثار الكثير من التعليقات في الإعلام و”فيسبوك”، وأغلبها كانت فخورة بهذا الإنجاز وبكفاءة العقول التونسية.

جائحة الكورونا أعادت البحث العلمي لمقدمة اهتمامات الناس وأعادت للواجهة جهد العاملين في هذا المجال، ومن المفيد التذكير أن البحث العلمي لديه صبغة عالمية، فكل الاكتشافات العلمية تدون في شكل مقالات، غالبا تكون باللغة الإنكليزية وتنشر في مجلات متخصصة يديرها علماء أكفاء في مجال اختصاصهم، وعالمية البحث العلمي لا تنفي تسابق الشعوب والدول في تطوير لقاحات وأدوية موجهة ضد فيروس كورونا، وقد كانت محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشراء شركة ألمانية بصدد تطوير لقاح ضد فيروس كورونا وانزعاج المستشارة الألمانية أنغلا مركل، دليل على أن العلوم ليست ببعيدة عن مجالات الصراع السياسي، وفكرة السيادة الوطنية؛ كما أبرزت جائحة كورونا دور العلماء والباحثين في اتخاذ القرار السياسي، فقد شكلت دول كفرنسا والولايات المتحدة وغيرها مجالس علمية استشارية لإدارة هذه الأزمة.

البحث العلمي قطاع استراتيجي

كما أسلفنا الحديث، فإن مواجهة خطر فيروس كورونا يتطلب بحوثا ومختصين في مجالات علمية وتكنولوجية شتى، إضافة للعلوم الصيدلية والطبية، كالكيمياء والإحصاء، وعدد من الصناعات، وأيضا العلوم الإنسانية والاجتماعية وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي؛ فكل نشرات الأخبار في العالم تعلق على منحى تطور عدد المصابين والوفيات وتتحدث عن توقعات علماء الأوبئة والرياضيات بشأن نهاية الوباء من عدمه في الأيام والأشهر، وربما السنوات القادمة.

موقع البحث العلمي في حياة البشر وخاصة في الدول المتقدمة مركزي واستراتيجي، فهو في ارتباط عضوي بمستوى معيشتهم ورفاهيتهم الاقتصادي، وهو مربط الفرس، لتفوقهم العسكري وهيمنتهم الجيوسياسية؛ والبحث العلمي في قلب التحديات التي تمس الكرة الأرضية لمواجهة التلوث والمجاعات والأمراض وتطوير مصادر اقتصادية أكثر احتراما للبيئة والإنسان، ومن الدول التي نجحت في السيطرة نسبيا على جائحة كورونا، ألمانيا وكوريا الجنوبية، اللتان تتميزان بتقدم كبير في مؤشرات البحث العلمي، والأكيد أن لهذا الأمر علاقة ما بقدرتهم في التحكم في الوباء.

رهانات الدول والتكتلات الدولية على البحث العلمي

تخصص الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين، ميزانيات ضخمة للبحث العلمي وهي في سباق دائم للرفع من قدرة جامعاتها على الإنتاج العلمي وبراءات الاختراعات وهي موضوع محوري في النقاشات السياسية والبرامج الانتخابية، وتعد النسبة المخصصة للبحث العلمي في ميزانيات الدول أحد المؤشرات المهمة لتقييم السياسات العامة للحكومات وهي مجال للمزايدة والتدافع بين الأحزاب ورجال السياسة.

وفي هذا الصراع نجد دولة كفرنسا تصارع من أجل الإبقاء على علمائها في مجالات مطلوبة جدا، كالذكاء الصناعي وتجد صعوبة في ذلك لتدني الأجور مقارنة بالولايات المتحدة على سبيل المثال، بل إن مجمل ميزانية الاتحاد الأوروبي مثلا أقل من دول كالصين أو الولايات المتحدة الأمريكية اللتين تشهدان تنافسا علميا محموما، بالإضافة لتنافسهما الاقتصادي، وكمثال آخر، خصصت ألمانيا 160 مليار أورو على مدى عشر سنين لدعم البحث العلمي، ورغم ارتفاع التكلفة، فإن صعوبة الرهانات الصحية والتقنية والبيئية التي تنتظر الإنسانية مستقبلا يجعل هذه الميزانية أمرا بديهيا.

تونس ورهان البحث العلمي

رغم صغر المساحة مقارنة بمحيطها العربي ونقص الإمكانيات المادية، فهي بلد غير مصدر للنفط، فإن تونس تزخر بالكفاءات العلمية، وهي نتاج سياسة تونس منذ الاستقلال في التركيز على التعليم بكل مستوياته والاستثمار في الزاد البشري، ويظهر ذلك جليا في التصنيفات الدولية للجامعات، آخرها التصنيف الدولي، التايمز للتعليم العالي، الذي يظهر جامعة تونس المنار ضمن قائمة أفضل 400 جامعة في العالم، وحسب ترتيب شانغهاي الدولي للجامعات، فنفس الجامعة ضمن قائمة 801 و900 لأفضل الجامعات على المستوى الدولي، وكانت الجامعة المغاربية الوحيدة ضمن هذا التصنيف لسنة 2019، هذه التصنيفات وغيرها تمنح لتونس موقعا محترما أفريقيا وعربيا، ومع ذلك فإن لهذا البلد إمكانيات حقيقية لتطوير أدائه والتقدم أكثر في مجال البحث العلمي، فميزانية البحث العلمي الحالية لا تتجاوز 0.7% من الناتج الداخلي الخام وهي ضعيفة، مقارنة ببلد كألمانيا التي تخصص 3% من ناتجها الداخلي الخام لدعم البحث العلمي، وربما كانت الإشكاليات المالية التي تعيشها تونس من بعد الثورة وحساسية مرحلة الانتقال الديمقراطي بصعوباتها السياسية عائقا لتركيز سياسات عمومية حقيقية في مجال البحث العلمي والذهاب بتونس نحو آفاق جديدة في مجال البحث والتجديد، فلهذا البلد إمكانية حقيقية للالتحاق بمصاف الدول المتقدمة علميا، إن استطاع تطوير الرؤية على المدي البعيد في مجال العلوم والابتكار.

 

قد يهمك أيضًا : القيادة في عصر المعرفة.. كيف يمكن لعدد أكبر من النساء الوصول إلى القمة؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Mohamed Abdelkarim

أستاذ جامعي بكلية الطب بتونس وناشط حقوقي وسياسي تونسي. مهتم كثيرا بمجال العلوم والطب وبالسياسات العامة المرتبطة بالبحث العلمي على مستوى الوطني والعربي والدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق