علوم وصحة

عوامل تحور الفايروسات.. كوفيد19 نموذجا

عوامل تحور الفايروسات

ضجت وسائل الإعلام على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية بموضوع السلالة المتحورة لفايروس كوفيد19. حيث أعلنت الدول قطع رحلاتها من وإلى لندن التي تحولت إلى بؤرة لتلك السلالة، بالتزامن مع بدء حملة التلقيح بلقاح فايزر-بيونتك. كما ترافق هذا الحدث مع تساؤلات وشكوك من قبل الناس حول توقيت حدوث التحور وأسبابه. ومن هنا من الواجب تكوين فهم أساسي للعمليات الحيوية التي تكمن خلف ظاهرة تحور (أو تطفر) الفايروسات، من أجل فهم المعطى الحالي.
إن الخصائص الديموغرافية تلعب دورًا كبيرًا في انتشار الأمراض الوبائية والمعدية، مثل الارتحال أو الهجرة والتواصل والكثافة السكانية، وهي العامل الأهم، فمن دونها لا يمكن حصول تحول وبائي خاصة بالنسبة للأمراض الفايروسية. على سبيل المثال، إن مرضًا معديًا مثل السل هو مرض بكتيري يكون المضيف (أي حامل بكتيريا المتفطرة السلية) مصدرًا للعدوى لفترة طويلة من الزمن، إضافة إلى أن مرض السل له ناقل خارجي أو مضيف وسيط (في هذه الحالة الوسيط هي الحيوانات مثل الأبقار).
لذلك بإمكان هذه الأمراض الاستشراء في مجموعات سكانية ضئيلة الكثافة نسبيًا. أما الأمراض الفايروسية فهي تتطلب حدًا أدنى من السكان المضيفين للمحافظة على استمرارية العدوى، بحكم انتقالها السريع من مضيف إلى آخر. والمثال البارز هو مرض الجدري الذي حصد ملايين الأفراد من الهنود الحمر.
ويرى علماء مثل ايدان كوكبيرن (عالم تطوري بالأمراض الوبائية القديمة) أنه ما كان بإمكار الجدري أن يفتك بالسكان لولا كثافاتهم السكانية العالية. إن الزيادة السكانية وانفتاح المجتمعات والتنقل يرفع عدد الأفراد المعرضين للإصابة، ويزيد العوامل المرضية، وكل هذا يسهم في انتقال الفايروس على نطاق واسع، وهذه الأسباب تساعد على تحور الفايروس بسرعة أيضا.
يوجد أسباب أخرى معقدة -عوامل تحور الفايروسات-. فالفايروسات لا تتحور بنفس المرونة. معدل الطفرات يختلف بين فيروسات DNA وفيروسات RNA (منها فايروسات كورونا) وهي أسرع بكثير، ولديها قدرة على التكيف مع مضيفات وبيئات جديدة اعتمادًا على توليد تنوع جديد (طفرات) بفترات زمنية قصيرة. أي أن كثرة العوائل والاقتصاد المعولم وتنوع البيئات والتغير المناخي وخصائص الفايروس الوراثية كلها تلعب دورًا كبيرًا بتحور الفايروس بسرعة رهيبة. لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التحور دائمًا أخطر، رغم أن العكس يصح غالبًا.
أما الادعاءات التي يتم ترويجها حول المؤامرة واللوبيات وحكومة العالم وغيرها من ادعاءات، فهي معلومات لا يمكن التأكد من صحتها. كما أنها تقدم بلا أي أدلة. وبالتالي ينبغي التعامل معها تماما متل التعامل مع الفايروس، وذلك بنشر التوعية. إذ يمكن لهذه الادعاءات، ومن ضمنها التشكيك باللقاحات وتأثيرها، أن تكون خطيرة للغاية.
عوامل تحور الفايروسات، والمثال الأبرز ما حصل في إفريقيا عندما رفض كثير من الناس تطعيم أطفالهم ضد مرض شلل الأطفال لحجج مشابهة لما يطرح اليوم، الأمر الذي أودى بحياة عشرات آلاف الاطفال. لكن عندما تم نشر التوعية اللازمة تم القضاء على شلل الأطفال والسل والملاريا وايبولا، وفايروس كورونا ليس استثناء.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى