سياسة وتاريخ

عن غدر الإقطاعيين وهروب النخبة.. هل باع الفلسطينيون أرضهم؟

رغم مرور ما يزيد عن 70 عامًا على النكبة الفلسطينية، مايزال البعض يتساءل هل باع الفلسطينيون أرضهم في حين تكشف الدراسات التاريخية صدمة تتعلق بالنخبة وكبار الملاك والإقطاعيين العرب والفلسطينيين وخيانتهم الوطن.

ويرزح عدد كبير منا نحن العرب والمسلمين تحت ثقل الكذبة الصهيونية الأكثر فجرًا فى تاريخ صراعنا معهم ألا وهي “أن أجدادنا الفلسطينيين هم من باعوا الأرض لليهود وبذلك صارت حقًا لهم”.

وعن فداحة تلك الأكذوبة التاريخية، كتب المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي قائلًا: “سلب أراضي فلسطين جرى في أكبر عملية نهب جماعية عرفها التاريخ، ومن أشد المعالم غرابة في النزاع حول فلسطين، هو أن تنشأ الضرورة، للتدليل على حجة العرب ودعواهم”.

“لقد آذى التشـهيرُ الفلسـطينيينَ أكثر مما آذاهم الفقر، وأكثر الاتهامات إيلاماً كان بأنهم باعوا أرضهم، أو أنهم هربوا بجبن!”. الباحثة البريطانية روز ماري

القصة من بداياتها

ارتكزت الدعايا الصهيونية من البداية وحتى الآن على أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وطوال هذا الصراع الدامي تنفث الدعاية الصهيونية في هذه الكذبة حتى صدقها بعضنا.

يذكر أنه ومع بدايات العقد الأخير من القرن التاسع عشر، بعث ماركس نوردو أحد كبار قادة الحركة الصهيونية، المقرب من مؤسس الحركة ثيودور هرتزل، بحاخامين اثنين ليرفعا تقريراً إلى المؤتمر الصهيوني عن الإمكانية العملية للهجرة إلى فلسطين، وبعد أن رجعا، كتبا تقريراً جاء فيه: “إن فلسطين عروس جميلة وهي مستوفية لجميع الشروط، ولكنها متزوجة فعلاً”، أي أن هناك شعباً يسكنها وليست أرضاً بلا شعب.

وتحت عنوان “يوسف نحماني رجل الجليل”، والذي ترجم تحت عنوان “مذكرات سمسار أراض صهيوني”، جائت المعلومات التي قام صديق “نوردو” يوسيف فايتس، بانتقائها وتحريرها لتغطي يوميات الفترة الممتدة بين سنة 1935 وسنة 1949، بينما تتسع الرسائل لتشمل عدداً من الوقائع التي جرت منذ سنة 1912 إلى ما بعد النكبة وحتى سنة 1964.

ورغم عمل سمسار الأراضي في عدة أعمال إلا أن الميدان الأبرز الذي برع فيه هو شراء الأراضي لمصلحة “الصندوق القومي الإسرائيلي” (هكيرن هكييمت ليسرائيل)، فعين مديراً لمكتب الصندوق في مدينة طبريا، حيث كان نطاق عمله يشمل الجزء الشرقي من الجليل، أي الحولة وغور الأردن الشمالي من بيسان إلى طبرية وسمخ وحتى مشارف صفد.

ورغم تضارب المعلومات باختلاف المصادر والتي تذكر أن الصهيونيين امتلكوا حتى سنة 1948 أكثر من مليوني دونم. بينما تذكر مصادر أخرى أنهم امتلكوا 1,734 ألف دونم.

وتشير أغلب الدراسات إلى أن مجموع ما اشتراه الصهيونيون من الفلاحين الفلسطينيين مباشرة، أي باستثناء ما استولوا عليه من حكومة الانتداب وما اشتروه من المالكين الغائبين، لم يتعدَّ 68 ألف دونم.

وتورد تلك الدراسات التاريخية معلومات دقيقة عن طرق الشراء الملتوية التى قامت بها العصابات الصهيونية من الفلسطينيين.

الدولة العثمانية تغوص في الوحل

قاوم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الاستيطان اليهودي إلا أن الفساد الذي كان يضرب الدولة العثمانية في أعماقها، ونجاح حزب الاتحاد والترقي في خلعه والاستيلاء على الحكم فى عام 1909، وهو الذي يمثل اللوبي اليهودي فيه رأس الحربة. ومن هنا بدأت عمليات شراء الأراضي في فلسطين.

ومع سقوط الدولة العثمانية عام 1918، كان اليهود قد اشتروا بالفعل حوالي 420 ألف دونم من أراضي فلسطين، بعدما تعاقدوا مع ملاك إقطاعيين لبنانيين. مثل: آل سرسق، وتيان، وتويني، ومدور، أو من الإدارة العثمانية عن طريق المزاد العلني الذي تباع فيه أراضي الفلاحين الفلسطينيين العاجزين عن دفع الضرائب المترتبة عليهم، أو من بعض المالكين الفلسطينيين، ومعظمهم من النصاري. أمثال: عائلات روك، وكسار، وخوري وحنا. وقد غطت عمليات الشراء هذه نحو 93% من الأرض التي حصلوا عليها.

الانتداب البريطاني وتأسيس الكيان الصهيوني

استولى الصهاينة خلال فترة الانتداب البريطاني والتي كانت فترة تأسيس للكيان الصهيوني، على حوالي مليون و380 ألف دونم، أي حوالي 5.1% فقط من أرض فلسطين، رغم ما جندته من إمكانات عالمية، ورؤوس أموال ضخمة.

ولم تتوقف الهبات البريطانية عند هذا الحد، فقد وهبت السلطات البريطانية نحو 300 ألف دونم لليهود من الأراضي الأميرية دون مقابل، كما منحتهم 200 ألف دونم أخرى مقابل أجر رمزي، ففي عهد هربرت صموئيل أول مندوب سام بريطاني على فلسطين (1920 – 1925) وهو يهودي صهيوني، قام بمنح 175 ألف دونم من أخصب أراضي الدولة على الساحل بين حيفا وقيسارية لليهود، وتكررت هباته الضخمة من الأراضي الساحلية الأخرى وفي النقب وعلى ساحل البحر الميت.

وكانت المصيبة الكبرى

فى سنة 1869 عندما اضطرت الدولة العثمانية لبيع أراض أميرية لتوفير بعض الأموال لخزينتها، فقامت بشرائها عائلات لبنانية غنية، وقد مثَّل ذلك وجهاً آخر للمأساة. فقد باعت هذه العائلات ما مجموعه 625 ألف دونم.

باعت عائلة سرسق اللبنانية أكثر من 200 ألف دونم من أراضي مرج ابن عامر للصهاينة وتسبّب ذلك في تشريد 2746 أسرة عربية هم أهل 22 قرية فلسطينية، كانت تفلح هذه الأراضي لمئات السنين. وتكررت المأساة عندما باعت عائلات لبنانية أخرى حوالي 120 ألف دونم حول بحيرة الحولة شمال فلسطين، كما باعت أسرتان لبنانيتان أراضي وادي الحوارث (32 ألف دونم) مما تسبب في تشريد 15 ألف فلسطيني. ومن العائلات التي قامت ببيع عدد كبير من الأراضي لليهود في أثناء الاحتلال البريطاني ( آل سلام، وآل تيان، وآل قباني، وآل يوسف، والصباغ، والتويني، والجزائرلي، وشمعة، والقوتلي، والماردين) وكلها أسر لبنانية أو سورية.

وبلغت نسبة الأراضي الزراعية التي باعها الملاك الإقطاعيون الغائبون خارج فلسطين خلال الفترة 1920 ـ 1936 ما نسبته 55.5% مما حصل عليه اليهود من أراض زراعية.

وعلى الرغم مما يتحمله من قام بعمليات البيع من أبناء هذه العائلات من مسئولية، فإن اللوم لا يقع بشكل كامل عليهم وحدهم، إذ إن السلطات البريطانية منعتهم من الدخول لاستغلال هذه الأراضي، بحجة أنهم أجانب، وذلك بعد أن تم فصل فلسطين عن سوريا ولبنان وفق تقسيمات معاهدة سايكس- بيكو بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي.

ولا يمكن إنكار أن أرقامًا فردية قد باعت بعض الأرض لليهود من سكان فلسطين الأصليين. فكان ما تسرب إلى أيدي اليهود من أراضي باعها لهم عرب فلسطين خلال الاحتلال البريطاني حوالي 260 ألف دونم. وقد حصل اليهود على هذه الأراضي بسبب الظروف القاسية التي وضعتها حكومة الاستعمار البريطاني على الفلاحين الفلسطينيين، نتيجة لاستخدام البريطانيين لأسلوب نزع الملكية العربية لصالح اليهود وفق مواد من صك الانتداب البريطاني على فلسطين، والتي تخول المندوب السامي هذا الحق.

وحدثت حالات بيع بسبب ضعف عدد من الفلسطينيين ووقوعهم تحت الإغراءات المادية، وليس من المستغرب أن توجد في كل زمان ومكان في أي بلد عربي أو غير عربي، فئات قليلة تضعف أمام الإغراءات، لكن هذه النسبة لا تتجاوز 1% من الأرض التي استولى عليها اليهود.

وخلاصة القول، أن الفلاحون الفلسطينيون، ولا أقول المالكين الفلسطينيين الأثرياء الذين باعوا وقبضوا مثل غيرهم من المالكين العرب الغائبين، جرى التحايل عليهم بطرق شتى، فسلبوهم القليل مما كان بين أيديهم من الأرض، وهو يتراوح بين 68 ألف دونم و150 ألف دونم.

ثورة 1936: محاولة للبقاء على الرمق الأخير

وفي ثورة 1936 جرى الاقتصاص من بعض بائعي الأرض ومن السماسرة العرب، فاغتيل عدد منهم، وامتنع الباقون عن الاستمرار في هذا العار. لكن الاقتصاص من المُلاّك الغائبين كان من المحال، فلم يقتص منهم أحد، بل باعوا أراضيَ ليست لهم في الأصل، بل آلت إليهم من خلال حق الانتفاع لا من ملكية حقيقية خلال الحكم العثماني.

ويذكر أن المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة الحاج أمين الحسيني، وعلماء فلسطين كان لهم دور بارز. فقد أصدر مؤتمر علماء فلسطين الأول في 25 يناير 1935 فتوى بالإجماع تحرِّم بيع أي شبر من أراضي فلسطين لليهود، وتعدُّ البائع والسمسار والوسيط المستحل للبيع مارقين من الدين، خارجين من زمرة المسلمين، وحرمانهم من الدفن في مقابر المسلمين، ومقاطعتهم في كل شيء والتشهير بهم.

وقام العلماء بحملة كبرى في جميع مدن وقرى فلسطين ضد بيع الأراضي لليهود، وعقدوا الكثير من الاجتماعات وأخذوا العهود والمواثيق على الجماهير بأن يتمسكوا بأرضهم، وأَلا يفرطوا بشيء منها.

وأخيرًا لا تكونوا بوقًا لأعدائكم.. فوالله ما تمسك شعب بأرضه كما تمسك الفلسطينيون بأرضهم وقدسهم، وإلا ما كان لنا فيها الآن شبر واحد أو مقاوم واحد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر باللغة العربية
  • كتاب صالح مسعود أبو يصير (“جهاد شعب فلسطين”، بيروت: دار الفتح، 1968)،

    • كتاب هند أمين البديري (“أراضي فلسطين”، القاهرة: جامعة الدول العربية، 1998)،
  • كتاب يعقوب الخوري (“أملاك العرب وأموالهم المجمدة في فلسطين”، القاهرة: دار الهنا، د. ت.)،

    • بعض كتابات سامي هداوي ومعظمها بالإنكليزية.
  • كتاب جاك كانو (“مشكلة الأرض في الصراع القومي بين اليهود والعرب: 1917 ـ 1990″، حركة فتح ـ مكتب الشؤون الفكرية، 1992)،( مصدر صهيونى مترجم )

  • كتاب تمار غوجانسكي (“تطور الرأسمالية في فلسطين” ـ ترجمة حنا ابراهيم، منظمة التحرير الفلسطينية ـ دائرة الثقافة، 1987،

  • كتاب «فلسطين وأكذوبة بيع الأرض» للكاتب “عيسى القدومي”

  • روز ماري الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة

  • هل باع الفلسطينيون أرضهم ؟ ..د. محمد عجلان مقال على الشبكة العنكوبتية

  • لماذا باع الفلسطينيون أرضهم لليهود ؟ هشام عبد الرحمن .. مقال على الشبكة العنكبوتية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق