سياسة و تاريخ

عن أزمة الفراغ المرحلي في مسار الانتقال السياسي بالجزائر

ما وراء ظاهر الأزمة الكبرى التي تجتازها الجزائر، أي أزمة انتخاب رئيس وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، تستقر الأسباب التاريخية التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار التام بعد قرابة الست عقود من الاستقلال السيادي عن الاستعمار ودخول البلاد أزمة شرعية سلطة هي الأقدم في تاريخ الوطنيات الجديدة بعد نهاية موجة الاستعمار منتصف القرن الماضي.

فالجماعة التي تمردت على مواثيق مشروع دولة الاستقلال بعد مغادرة الجيش الفرنسي للوطن، بداعي وضع حد للفوضى والحرب الأهلية التي كانت تتهدد الوطن الفتي وقتها، ونعني بها قيادة أركان جيش التحرير الوطني وقتذاك، لم تكن تعلم أنها ببادرتها تلك قد وضعت مسار التوجه الوطني على سكة الخطأ وسار قطار البناء السياسي والتنموي للبلاد صوب المجهول الذي يتواجد الجزائريون حاليا في إحدى أخطر مراحله وهو ما يتعلق أساسا بطبيعة الانتقال السياسي الذي صارت تحتمه تقلبات التاريخ.

في محاضرة له بسويسرا، أرجع السوسيولوجي والأستاذ بجامعة ليون الفرنسية الهواري عدي أزمة النظام السياسي في الجزائر إلى ففدان هذا الأخير مشروع وطني حقيقي وواضح، مشددا بالأساس على مسألة غياب القائد السياسي داخل المؤسسة العسكرية بوصفها نواة النظام الصلبة مذ تأسس بالعنف صائفة 1962 عبر انقلاب جماعة وجدة (قيادة أركان جيش التحرير الوطني وقتها) على الشرعية التي مثلتها الحكومة المؤقتة، وحسب الهواري عدي إن القائد السياسي الوحيد الذي حقق هاته الصفة وبسط بإرادته داخل القوات المسلحة كان هواري بومدين، ومن يومها صارت لعبة التوازنات بين قيادات الوحدات هي من تضمن وحدة الجيش لا غير، هكذا تحليل يضعنا أمام حقيقة الأزمة التاريخية ذات الطابع العضوي التي اعتلت الحالة الوطنية وحالت دون قدرتها على الإبداع السياسي باتجاه تجاوز المآزق الظرفية التي كانت تعترض سبيل استمرارها روحا وعملا.

فالبعدان اللذان أشار إليهما الأستاذ الهواري عدي بوصفهما محور أزمة النظام وهما غياب القائد السياسي للقوات المسلحة باعتبارها الحاكم الفعلي للبلد منذ الاستقلال، وغياب المشروع الوطني لهذا النظام، نحسبهما أساس عضال الأمة، وفي الوقت نفسه، أساس الحل إذا ما تعمقنا في سيرورتهما مذ تركبت قواعد اللعبة السياسية بعد الاستقلال وصيرورتهما للحظة المنغلقة الخانقة للمجتمع اليوم.
فإذا كان الأستاذ الهواري عدي قد اعتبر بومدين القائد الوحيد الذي حمل مشروعا وطنيا للبلاد من خلال ثوراته الثلاث الصناعية، الزراعية والثقافية على علات هذا المشروع كما أوضح، فأنه من سبقه (أحمد بن بلة) ومن جاؤوا بعده لم يكن لهم من مشروع سوى ضمان بقاء النظام وإطالة عمره، وذلك على حساب كل رهانات الأمة والاستحقاقات التي تنتظرها في صراع التاريخ، خلاصة الأستاذ عدي تلك تضعنا أمام حقيقة أن النظام السياسي في جزائر ما بعد بومدين، لم يحمل مشروعا للحكم بل مبررا للبقاء فيه، والمبرر كان دائما الوحدة الوطنية التي يرتجع ويتمرجع إليها بوصفها إنجازه الأبرز بعد الاستقلال حيث كانت الحرب الأهلية تتهدد البلد، كما يؤثر ويكثر أنصاره من ذكره في الوقت الذي يفند المعارضون ذلك ويؤكدون على أنه إذا ما كانت فعلا من تهديدات بنشوب حرب أهلية فإنما كان هذا النظام هو المتسبب فيها بدخوله العنيف للبلاد من خلال جيش الحدود من وجدة بالمغرب وغردامو بتونس للاستيلاء بالقوة على السلطة التي مثلت شرعيتها إذ ذاك الحكومة المؤقتة، ومضى النظام عبر منابره الدعائية طيلة فترة الأحادية يسوق لهذا الانجاز ليترسخ في عقول الأجيال أنه كان هبة من السماء للجزائريين ليحقن دماءهم ويضمن وحدتهم وأي تفكير في بديل عنه سيعني بالضرورة الانحدار مجددا إلى الحرب الأهلية والفوضى.

هكذا تحجيم للحالة الوطنية المتطورة بتطور العقل السياسي لمختلف الأجيال، جعل الحاجة إلى التغيير على صعيدي الخطاب والمشروع والبرامج أكثر من ملحة في حقول الأمة السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما لم يملك النظام أن يعطيه، لأنه بلا مشروعيته التي اعتورته، ولا مشاريعيته التي واكبته لم يتمكن من إفراز فكر وطني لما بعد المرحلة الكولونيالية، وبالتالي عجز عن إنتاج نخب قادرة على تقديم الأجوبة الكبرى على الأسئلة التي كان العقل الوطني الجديد للأجيال المتلاحقة يطرحها بخصوص المسائل المتصلة بالوجود الوطني، الهوية، الشرعية والآفاق ساعتها صارت القطيعة تلوح وتتعاظم بين المجتمع وجماعة أفلست على كل المستويات بعدما حكمت بالقوة إلى أن استحالت تلكم القطيعة إلى صدامات دامية عبر محطات عديدة كان أبرزها الحرب الأهلية التي عرفت بالعشرية السوداء.

ويتضح من خلال ما سبق أن الأجيال الجديدة تروم اليوم تمدين “المسألة الوطنية” بحيث لا تظل مقترنة في الوعي فقط بالحالة العسكرية وعنف التحرير الذي كانت تشترطه اللحظة الكولونيالية، هذا التمدين يعني آليا تقويض التراث السياسي للعسكر فضلا عن الإشارة إلى نزع الغنيمة التحررية منه وهو ما لا يقبله العسكر، وإلا كما أشار الهواري عدي ما كان “للعسكريين أن يضيعوا فرصة انتفاضة 05 أكتوبر 1988 ليسلموا السلطة للشعب مثلما فعلت بعدهم بعام نظم أوروبا الشرقية التي انتقلت بسلاسة للديمقراطية بعد تنازل الجيش والبوليس السياسي عن سلطانهم للمدنيين والقوى السياسية التي عاشت منذ الحرب العالمية الثانية في أقبية البطش الاستخباراتي، في حين استمسك العسكر الجزائري بها، بل وبشكل أشرس من ذي قبل في اتجاه معاكس للتاريخ وتغيراته السياسية والجيوسياسية آخذا معه البلد لمسلسل من الأزمات آخر حلاقته هو ما يعيشه اليوم من انهيار مؤسساتي غير مسبوق، وهنا يبرز عمق معضلة الصراع بين العسكري والمدني أو العسكري والسياسي في نهضة الوطنية الجزائرية، إذ ورغم مرور ستة عقود عن الاستقلال لا يزال الوعي الوطني يتصل بأداة العنف أكثر من اتصاله بأداة السلم والبناء وهو ما يعيق انتقال المجتمع إلى الديمقراطية سياسيا وإلى التعددية فكرا وإلى التنمية اقتصادا، فطالما لم يتحرر هذا التلازم في الشعور والوعي الوطنيين بلحظة انبلاجه العنفية التحررية الأولى، فلا يمكن الحلم بالتحول إلى جمهورية ثانية أو جديدة، ولا يمكن تحرير التاريخ الوطني بوصفه حامل أسرار هاته الحالة الوطنية.

والمعضلة الكبرى التي تداعت عن هكذا منقلب في سيرورة الإشكالية الوطني، هي أن حالة الخصام دون الانفصام الموضوعي في الوعي الوطني بين العسكري والمدني ألقت الأول إلى هامش الماضي ولكنها عجزت عن أن تقود الثاني إلى الاكتمال بسبب فراغ المشروع الوطني الذي قاد به العسكر البلاد مدة ستين سنة، فنحن نعيش اليوم مرحلة نهاية الجيل السياسي التأسيسي العسكري لكن في ظل عدم ميلاد مجتمع سياسي مدني قوي بسبب غياب أو تغييب النخب التي ناوأت النظام بسبب لا مشروعيته ولا مشاريعيته لمدة سنين تحت القمع والتهميش ورفض النظام السماح لها ببسط بدائلها بكل حرية في المجتمع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫2 تعليقات

  1. أعتقد ان خطاب السيد لهواري عدي، مثله مثل الكثير من المثقفين الفرونكوفونيين، هو خطاب ايديولوجي اكثر منه خطاب سوسيولوجي بالمعنى المعرفي، لأن خطابه يقترب كثيرا من الخطاب السياسي و الأطروحات السياسية للنخب المحسوبة على التيار الفرنكو-لائيك، و بالتالي يتحول خطابه من خطاب علمي محايد الى خطاب مناضل سياسي.
    هذه النزعة النضالية بالمعنى السياسي في خطاب السيد لهواري عدي، سنكتشفها من خلال تغييبه المتعمد و المقصود لما يمكن ان نسميه الأيديولوجيا البربرية او ايديولوجيا البربريست، و هي ايديولوجيا ذات نزعة عنصرية معادية لما تسميه العروبية و الأسلاماوية .
    فالمتابع للشأن الجزائري، سيكتشف بأن الحراك المجتمعي منذ الاستقلال، لم يكن من اجل بناء الديمقراطية كما هو الحال في تونس على سبيل المثال، بل كان حراكا من اجل ما يسميه التيار البربري بالهوية الجزائرية او باستعادة الهوية الجزائرية.
    و منه سيكون كاذب و مخادع و منافق، كل من يدعي زورا و بهتانا بأن الصراع في الجزائر هو بين الدكتاتورية و الديموقراطية، هذا كذب و افتراء و مغالطة للرأي العام و تزييف للحقيقة.
    فالصراع في الجزائر هو بين:
    أيديولوجيا يحملها تيار البربريست او البربريون، تعتبر نفسها و تعتبر الجزائر جزء من الفضاء الحضاري الأغريقي الروماني او ما يسمونه الفضاء المتوسطي لتضليل الراي العام.
    و ايديولوجيا معادية اخرى يسمونها القوميون العرب و الأسلاميين، و هذه الأيديولوجيا عند البربريست يحملها التيار الوطني و التيار الأسلامي معا، و لهذا فهم يعادون كلا التيارين ، لان هاذين التيارين يؤمنون بانتمائهم للفضاء العربي و الأسلامي بعكس البربريون الذين يؤمنون بانتمائهم للفضاء الأغريقي الروماني.
    فالبربريون لا يعجبهم قيس سعيد الرئيس التونسي الجديد المنتخب ديموقراطيا على سبيل المثال، ليس لأنه ديكتاتور او لأنه غير منتخب ديمقراطيا، بل لأنهم يعتبرونه قومي عربي و اسلامي معا.
    في ظل هذا الصراع الأيديولوجي، و في غياب الذكاء السياسي البيزماركي (نسبة لبيزمارك موحد المانيا)، سيكون من المستحيل ايجاد تصور مشترك لمشروع المجتمع، يكون مبنيا على الحقائق و على الواقع كما هو، و ليس على الأوهام و التخيلات الكاذبة.

    .
    .

  2. مقال يضعنا في قلب أزمة الشرعية ونطاقات التطبيق الفعلي للوطنية الناجزة في إنتاج نظام بديل للمصادرة السياسية للعقل الوطني، الذي يفكر خارج حسابات الأولويات التاريخية، وبالتالي فإن قضية تمدين “المسألة الوطنية”، لا تتحدّد باعتبارها خطوة نحو الحل، ولكن أيضا، عتبة أساسية للتفكير السياسي داخل الحوزة الوطنية، ولهذا، وكما يبدو لي، إن الكاتب كان متحمسا لطروحات السوسولوجي الجزائري الهواري عدي، باعتبار أنّ فواعل التفكير السياسي في الأزمة الوطنية يمتلكون الرؤية المختلفة جذريا عما أنتجته دولة ما بعد الاستقلال، لأنّ المشروع الوطني المثبت في رؤى الطبقة المفكرة يستنبت أساساته الفكرية من الواقع وقراءة اللحظة الحاسمة في التاريخ الوطني، وهذا ما تعلمته شخصيا من الكاتب نفسه، إذ لا يعتبر التاريخ كرونولوجيا ساكنة، ولكنّه حدث متفاعل داخل حيز الوطن من خلال السلوكات السياسية التي تحتكم إلى الشرعية التاريخية، وهو ما أدخل اللحظة الوطنية ما بعد الكولونيالية نفق الأزمة في “المشروع” وفي “الشعار” وفي “حركة المجتمع في التاريخ”، إذ تمّ الانفصال بين مفهوم التاريخ والحركة فيه، وهو ما فتئ الأستاذ بشير ينبه إليه في مقالاته السياسية/الفكرية، حيث منجم التاريخ يخزّن كل ما من شانه أن يكون عاملا في حل الأزمة وهو ما أشار إليه مستشهدا بما أورده الهواري عدي من معطيات مظاهر الأزمة المتمثلة في غياب القائد السياسي للمؤسسة العسكرية وغياب المشروع بالنسبة للنّظام السياسي.
    تحيات وتقديري أستاذ بشير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق