مدونات

عندما قررت الإنتحار أنقذني لصٌ

في زحمة أحلامنا قد يعترضنا إحباط أو خيبةُ أمل من الممكن أن تكسر ما بداخلنا وتحبط عزيمة سنوات تأسيس، لم يأبه من جعل من مرسمي وأقلامي الخشبية أدوات ليحتطب عليها ويجعلها نار دفً ليس بدائم لأنها نارٌ سوداء قد تأكل كل شيء، ليست بنار دفء في ذات  شتاء بارد صنعها الحاقد من مرسم مصنوع من الزان ذو لهب أسود بنار غير النار التي عهدتها، نار مصنوعة من عرقِ سنين يحتطب بها عنوة دون أي حق.

من هنا بدأت معركة الوجود الحقيقي، هل أنقضى كل شيء؟ هل سأكون كمن أكمل حياته بروتينها الممل أبحث عن لقمة العيش فقط وأبتعد عن مواجهة الحقيقة أو ذاك الرجل الذي تركته حبيبته فقرر الانشغال والعمل ليل نهار من أجل أن يجعل عجلة الوقت تمضي بحجة أنه سينسى؟

مضت أيامٌ وتدورُ فكرةٌ في رأسي بعد أن توقفتْ كلُ أحلامي على أن تكون هناك فرصةً لأتخرج من جامعتي التي وصلتُ بها للنهايات،كان هناك مادةً ومشروع التخرج ويكتمل حلمي،في ليلةِ لم تذهب تفاصيلها سُلب كل شيء أُلقي بي خارج حرم الجامعة وصدر قرار يتوجب على جميع الطلاب الاستكمال في دمشق أو فرع حلب بعد أن كانت جامعتي منبج وفرعها الآخر في الرقة.

مضت ليالي طوال قُبيل تخرجي وانا انظرُ الى أصدقائي على صفحات التواصل مرتدين بذة التخرج ويهتفون ها قد انتهينا وأكملنا أحلامنا. وأنا جالس ألطم وجه الظلام عن الحال الذي وصل به الطلاب المنقطعين عن التعليم؟

كانت تلك الفترات العصيبة من أشد الأيام سوداوية والتي جعلت مني شخص متخبط الأفكار  ولم أستطع أن أتأقلم مع وضعي ، قررت الانتحار بطريقتي وأنا أرسمُ سيناريو اعتقالي أمامي لأول حاجز سأصل إليه عندما أقرر الذهاب لأقدم المادتين وأتخرج من جامعة دمشق.

كتبت إلى أصدقائي أوراق وأغلقتها، كان فحوها أنني لست بخائن دم الشهداء ولكن أريد أن أتخرج من جامعة دمشق ولو كلف الأمر حياتي كون أنني لم أحصل على فرصة للتخرج من مكان آخر وأعلم جيداً مصيري السوداوي هناك، كنت أتمنى  تقبيل مرسمي أو حتى أعانق لوحاتي الهندسية كم وددت أن أتسلل الى جامعتي لأتخرج كم كنت مشتاق إلى أن أمسك أقلامي التي كانت مجرد وسائل في الزمن القديم ولكن أحسست بالفقد بعد أن أدركت شعوره، لكن في كل لحظة كنتُ أرى سلاسل تقتادني وأن قدري سيكون بالسجن أو أن معجزة ستكون لأتخرج دون أذى من جامعتي.

08 شباط 2015 تاريخ لن يفارق ذاكرتي عندما رتبت كل أوراقي وأمتعتي وحجزت بطاقة سفر من ريف حلب الشمالي إلى دمشق.

كانت الدقائق تمر أياما، لم أستطع أن أخبر أصدقائي في المنزل بما سأقوم به لأنني متأكد أنهم سيمنعوني، كنت جالسا وبجاني صديقي غيث نسمع أغنية شآم أنت فتاة وأمي ، وإذا بشخص يتسلل إلى غرفتنا يحمل بندقية ويضعها برأسي وأكاد اسمع أصوات تلقيم البواريد في كل مكان، كان أخي في تلك اللحظة زائرا عندي في منزل عملي بعد انقطاع طويل، هنا بدأت الطامة، لم أستطع أن استجمع قواي هل هو حلم أم حقيقة !! طلبوا منا أن ننبطح أرضاً بعد أن جمعونا في غرفة واحدة، بدأت أتخيل شريط حياتي أمامي، نظرت الى أخي وتذكرت أمي في تلك اللحظة وبدأت ألعن الحظ الذي جمعني بأخي بعد فترة طويلة من الفراق في لحظة من المتوقع  أن أموت فيها أنا وأصدقائي جميعاً لأن أصوات من اقتحم البيت خشنة لم أعي هل هم جنود الأسد تسللت إلينا أم حلفائهم !!

أحسست أن الوقت يطول أكثر وأكثر إلى أن تقدم شخص إلي وطلب مني أن أنتزع ساعتي،هنا نزل على الهدوء والسكون ، نعم نعم إنهم لصوص وليسوا بقتلة هكذا قلبي كان يهتف.. نعم سأعيش ولن تبكي أمي علي , سأتجمع قواي بعد هذه اللحظات وأفكر بتخرجي مرة ثانية.

أجمل ما قاموا به أن سرقوا كل شيء وأن عبارة الخير قد يمكن بالشر كانت ليست بكذبة تردد على أفواه البشر، لم يعد لدينا أي شيء بالمنزل فقد افرغوه كله، لقد سرقوا آن ذاك أوراقي الشخصية وجميع إثباتاتي المدنية التي تفصح عن هويتي كوني مواطن سوري حامل هوية اغلق العالم أبوابه بوجهي، لم تعد بقبضتي أي إثبات، جميعها سُرقت حتى كشف علاماتي الذي كلفني الكثير، قد تستغربون أنها مجرد أوراق بل كانت هي الوحيدة التي تثبت هويتي ومكاني فنحن في زمن مزق العالم ما نملك ولا يمكن أن نستعيد شيء ملكناه لأننا في زمن الخضوع بل الحرمان والفقد حوطنا ونهش عظامنا الهشة.

من هنا بدأ الطريق مرة ثانية، لن أستطيع أن أخرج الى دمشق بدون أي إثبات شخصية كان قلبي يهتف فرحاً رغم ما جرى لأن الله أنقذني حتماً، سجدتي وكلماتي التي ناديت بها ربي لم تضع أبداً، دعوت الله أن يعرقل سفري في حال كان مصيري سيّء.

مضى حوالي الشهرين وألقى السارقين أوراقنا الشخصية في مكان قريب من منزل عملنا بعد أن اكتفوا بالأشياء الإلكترونية والمبالغ المالية التي كانت معنا وبذاك الوقت قررت الذهاب الى تركيا لأجد فرصة في قبرص،أجريت معاملة تعديل المواد وتخرجت من جامعة الشرق الأدنى بمرتبة شرف وبمعدل ٣.١٤ وبعدها واصلت تعليمي في كلية الهندسة المدنية في جامعة عنتاب والى الآن أنا طالب ماجستير في الجامعة وأمارس مهنة التدريس كمحاضر في كلية العمارة.

من هنا بدأت أبواب النجاح تنفتح باب تلو الآخر ، كم هو صبر جميل و الله المستعان.

أيقنت من ذلك الوقت أن الإنسان يمر بفترات عصيبة ويجب عليه التمسك بما بدأ به لو كلفه الأمر كل طاقته، شعرت بنعمة الدراسة والحرمان وأن الفرص لن تأتي في كل مرة كما نتمناها.

ختاماً لكل طالب وطالبة لا تؤجلوا أحلامكم فقد يوصد باب القدر في فترة قد تطول سنوات من كان لديه حلم أو موهبة فليلامس بها وجه السماء بسرعة، هناك أناس تتمنى أن تمسك قلم وتكتب ألم الحرمان من الجامعات والتعليم هناك شهداء رسموا بدمائهم الذكية طريقاً كي نبصر به فلا تجعلوه ظلام.

هذه القصة واقعية وأصابعي ترتعش في كل مرة أخط بها كلمات عن هذه الحادثة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Wael Sayed Omar

وائل السيد عمر مهندس معماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى