ثقافة وفنون

البيضة والحجر: عندما تؤرخ السينما لفلسفة الخرافات

يأتي فيلم البيضة والحجر كأحد أهم الفلسفيات في تاريخ السينما المصرية، يتناول الفيلم علاقة العلم بالواقع المجتمعي ومدى علاقة التأثير والتأثر بين العلم والفلسفة والمجتمع. أُنتج الفيلم عام 1990 وهو من بطولة أحمد زكي وممدوح وافي ومعالي زايد، إخراج علي عبد الخالق ومن تأليف الكاتب الراحل محمود أبو زيد والذي تميزت أعماله بوجود النزعة الفلسفية مع محاولة خفيفة لإضفاء شيء من الكوميديا على أعماله، ونستطيع تبرير الجانب الكوميدي في هذا الفيلم بعمق معانيه وأن اختفاء الكوميديا منه قد يصيبه بجانب من الفتور ويجعل المتلقي يمل منه.

يبدأ الفيلم بمشاجرة سكان أسطح العمارة مع المالك لمحاولته فتح غرفة مغلقة كانت مستأجرة لأحد الدجالين، ويخشى السكان فتح هذه الغرفة لاعتقادهم بسكون الجن بها وأن فتحها سيجلب المصائب والويلات، ينتصر المستأجر على السكان بحضور الشرطة وكانت هذه النُصرة هي مكسب أولي للعلم على الخرافة، لكن هذا الانتصار استحال تحقيقه دون وجود مستأجر.

تتوالى المشاهد ليأتي الحديث بين صاحب العمارة والسمسار لإيجاد مستأجر لهذه الغرفة، وعلى الرغم من عمق الحوار بين المستأجر والسمسار إلا أنه قد أتى في غير موضعه؛ فلا يمكن الحديث بهذه اللهجة الثقافية في مقهى بلدي أو مع السمسار (الأوضة دي لو مسكنتش هتبقى وصمة عار في جبين مصر ستصبح دلالة قاطعة على جهل الناس وانحطاط الثقافة وانهيار التعليم).. هذا الحوار وإن كان تعبيرًا صادقًا عن أزمة العلم مع الخرافة في مصر لكن لم يوفق صناع الفيلم في توظيفه.

يسكن أحمد زكي تلك الغرفة بعد ارتفاع الإيجار عليه في مسكنه المشترك مع زميله ممدوح وافي ليكون رد أحمد زكي فلسفيًا من الدرجة الأولى معللًا سكنه في هذه الغرفة المسكونة (أنا إذا غلى شيء على تركته فيكون أرخص ما يكون مهما غلى) فما دام هناك البديل فلا حاجة لك بغيره.

وعليه يسكن مستطاع “أحمد زكي” هذه الغرفة تحت شعار الاستغناء عن الاستغلاء.

كانت اللحظات الأولى لمستطاع في مسكنه الجديد يشوبها بعض القلق، كونها في عقله حديث خفير العمارة له عن الرعب الذي قد يلاقيه جراء فعله. وأثناء ترتيبه للغرفة يسقط الكاسيت فيحدث أصوات مفاجئة ترعب مستطاع وتوقعه تحت تأثير الخرافة لبرهة من الوقت، لكن ما يلبث ويعود لرشده وعقله بهذا المفهوم (الإيحاء في جوهره هو تثبيت فكرة معينة في الذهن)

واستنادًا للمثل الشعبي القائل ” الزن على الودان أمر من السحر” نستطيع من خلال هذا المثل تبسيط هذه العبارة؛ فالخرافات تُصنع في حياة الشعوب اعتمادًا على مفهوم الإيحاء أو الزن في القاموس الشعبي. بمعنى آخر فالخرافات أو غيرها مما يراد تثبيته في العقل الجمعي لأي أمة يلزمه حالة تكرار وتواجد، وهو ما حدث مع هذه الغرفة، فالجميع لم يرَ لكنه سمع من هذا وذاك وهكذا لتنتهي الدائرة بأن أحدًا لم يسمع لم يرَ لم يتكلم؛ تتحكم آلية التأثير على حياة هذه الشعوب والمجتمعات فتستخدم عن طريق ممن يخول لهم سطلة مواجهة الجماهير كالإعلام ورجال الدين وهما أكثر فئتين تخاطب العقل الجمعي باستمرار، وقد رُمز إليهما ببواب العمارة وزميله “صبري عبد المنعم، عبدالله مشرف” هؤلاء المتحكمين بسكان العمارة بطريقة غير مباشرة؛ فقد فوضوا أنفسهم أوصياء عليهم من خلال جمعهم للنذور لتهدئة العفاريت ونشر الخرافات والحكايات الكاذبة بين السكان لضمان استمرار العطاء لهم.

ولعل هذا يبرز في الأحداث المتعاقبة في الفيلم وهي استمرارية الحديث وهو ما نجده ينتقل مع شخصيات أخرى بانتقال الوسيط.

تنتقل الأحداث إلى حديث المدرس مع تلميذه، وفي رأيي الشخصي أن الكاتب وفق وبامتياز شديد في صناعة هذا الحوار العبقري بين الطالب والمدرس، فمستطاع هو مدرس لمادة الفلسفة وعلم الاجتماع بأحد المدارس الثانوية يشرح درس التكيف الاجتماعي وهي محاولة ربط بين سكن مستطاع مع هذه الخرافات وكيفية التغلب على مثل هذه الخرافات (التكيف الاجتماعي هو عملية ملائمة إمكانيات الفرد لإطار البيئة الاجتماعية المحيطة به -ليقاطعه أحد تلاميذه بسؤال جوهري- ماذا يفعل الإنسان إذا فسدت البيئة؟ إذا فسدت البيئة فلابد للإنسان أن يحتمي بعقله لينجو من الفساد -يجعله المسيطر على شهواته والمتحكم في رغباته-).

إلى هنا نجد العلم في صورة مستطاع مازال متمسكًا بمبادئه أمام الخرافات والجهل، لكن المواجهة بين العلم والخرافة لم تنتهِ بعد فما حققه مستطاع من مكاسب على الخرافة هي في الحقيقة مجرد انتصار أولي.

نجد بعد مشهد المناقشة بين مستطاع والتلميذ أن ميزان الصراع اتجهت كفته ناحية الخرافة والمجتمع، فمستطاع اضطر بعد إلحاح إلى الذهاب لتلك السيدة التي يعاني ابنها من مشاكل زوجية مع زوجته لعلاجه ولكن بطريقة غير تقليدية ألبس فيها العلم ثياب الخرافة والدجل، فالجهل لن يقبل بأي وجود للعلم فكلاهما طارد للآخر، ولعل ما فعله مستطاع هو خير دليل على تشكيل العلم بعباءة الخرافة (الدجل هو اللعب الذكي بآمال ورغبات الناس). يخطو الفيلم خطوات جديدة في المنحى الدرامي ليصبح الصراع بين العلم والخرافة داخل ساحة متخفية؛ فالمرضى اقتنعوا بأن مستطاع استخدم الجن والشعوذة لشفائهم حتى وإن كانت الآليات عكس ذلك.

فمحاولة تجنب المواجهة بين الموروث المجتمعي والعلم أوقعت البطل في شراك الدجل؛ لأن مرضاه مازالوا مقتنعين بتلك الشعوذة وبطقوسها، حتى أولئك المتعلمين وأصحاب الطبقات العليا من المجتمع وقعوا تحت تأثير الخداع الممارس عليهم من قبل الموروثات الاجتماعية والبيئة المحيطة بهم.

يحترف مستطاع سبل الشعوذة والدجل وخداع الناس لنجد أنفسنا أمام جدلية الحياة.. الفقر والثراء، العلم والجهل، فهل وجود الثراء دليل على العلم؟ وهل الفقر ملازم للجهل ؟
يضعنا صناع الفيلم أمام تلك الجدلية دون توجيه مستطاع، هذا الذي واجه الخرافة وحاول فك طلاسمها رغم فقره نجده فريسة للفساد والاستغلال.

“ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون”

تلك الجملة تعلل فساد المجتمع بانحراف المتعلمين وثقل الحمل على المثقفين، فكلمة تبهيظ تعني ثقل المتاع في اللغة العربية، نجد أن تلك الجملة التي قالها أحمد زكي لممدوح وافي هي محاولة تعليل لانحرافه. والحقيقة أن الخرافة والفقر لن تبقى في أي مجتمع إلا بفساد علمائه ومثقفيه. إذًا فالخرافات في جوهرها هي علم استخدم بطريقة فاسدة من قبل أصحاب العلم والثقافة من أجل السيطرة على العقول، مستغلين بذلك فقر المجتمع وجهله، معتمدين بذلك على الذكاء العقلي وقدرتهم على الثبات الانفعالي.

كيف يسيطر على المتعلمين؟؟

يظهر الفيلم قواعد السيطرة على العقول حتى أولئك المتعلمين من أصحاب الشهادات العليا وأصحاب المناصب المرموقة، معتمدين على عدة قواعد منها طمس الوعي وتشتيت الذهن (الذكاء العقلي ملوش علاقة بالثبات الانفعالي.. الكل بيتساووا في تقبل الإيحاء.. مفيش فرق هنا بين غبي وذكي ومتعلم ومثقف.. الخوف بيعطل التفكير وبيشل القدرة على التصرف). ويتضح لنا هنا دور الفلسفة والعلم، فإذا فسدت أخلاق حاملها نجده يستخدم العلم في نشر التخلف والجهل، فالعلم كالسكين إذا استخدمت في المطبخ وفيما ينفع الناس كانت علم وإذا استخدمت في البلطجة وسرقة الناس كانت خرافة. وهكذا العلم إذا فسد حامله فسدت البيئة فهو سلاح ذو حدين كالسكين. يضع الفيلم جهل المجتمعات وصناعة الخرافة على عاتق المتعلمين والمثقفين فلو صلحوا لصلح حال مجتمعهم.

في المقال القادم سنكمل حديثنا عن فيلم البيضة والحجر وكيف تصنع الخرافات عن طريق العلم.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى