سياسة وتاريخ

عملية ضم الضفة تلوح في الأفق.. وهذا السيناريو المتوقع

مازال الشكل الذي سوف تتخذه عملية ضم إسرائيل لمناطق من الضفة الغربية أمرًا مجهولًا للجميع، ولكن المؤكد والظاهر للعيان هو أن إسرائيل سوف تتخذ هذا القرار لتسهيل سرقة الأراضي الفلسطينية في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

ومنذ بداية تأسيسه، لطالما تبنى اليمين المتطرف الإسرائيلي فكرة ضم الضفة الغربية لإسرائيل، في الوقت ذاته لم تجد تلك الفكرة صعوبة في شق طريقها إلى اتفاق الائتلاف الحكومي، الذي انعقد الأسبوع الماضي، بين حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحزب أزرق-أبيض بزعامة بيني غانتس.

إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي بقرار كهذا لا تأبه كثيرًا إلى التفكير بالعواقب التي سوف تلحق بالمزارعين والسكان الفلسطينيين الذين سوف يعانون ويلات هذه العملية.

فالشكل الدقيق الذي سوف تتخذه العملية من حيث مساحة المناطق المضمومة، أو عدد الفلسطينيين الذين سيخضعون للضم، أو الوضع الذي سيؤولون إليه سكان تلك المناطق، يظل مجهولًا للجميع حتى الآن، ولكن ذلك لن يغير من حقيقة أن قرارًا مصيريًا كهذا يعتبر انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان الفلسطيني الذي سوف يجد نفسه يعيش على أرض قد انضمت تحت السيادة الإسرائيلية.

لا شك أن العديد من حقوق المواطن الفلسطيني سوف تنتهك بلا ريب، لكن الحق في الملكية سوف يكون أكثر الحقوق تضررًا.

ومن المرجح، أن يصادر الاحتلال الإسرائيلي أراضي الضفة الغربية بنقل ملكيتها الفلسطينية إلى الملكية الإسرائيلية فور بدء عملية الضم، عن طريق استغلال عدة قوانين لصالحها، من ضمنها قانون “أملاك الغائبين”، والذي يسمح للاحتلال بمصادرة الأراضي والممتلكات التي يملكها الفلسطينيون الذين طردوا أو فروا أثناء الحرب.

البداية من “أوسلو”: محاولات مستميتة لتقسيم الضفة

ينص اتفاق أوسلو على تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة مناطق (أ، ب، ج)، فمنطقة (أ) تشكل 18% فقط من الضفة الغربية تسيطر عليها السلطة الفلسطينية سيطرة كاملة، بالمقابل فإن المنطقة (ب) تضم 21% من الضفة تسيطر فيها إدارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على التعليم والصحة والاقتصاد. وفي كلتي المنطقتين فإن الاحتلال يتمتع بالسيطرة الأمنية الخارجية الكاملة.

وتشكل المنطقة (ج) وحدها 60% من أراضي الضفة، وتضم الغالبية العظمى منها مستوطنات إسرائيلية أقيمت بشكل غير قانوني تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة في جميع الشؤون المدنية والأمنية.

وبحسب السيناريو المتوقع لعملية استغلال قانون “ملكية الغائبين”، فقد يعمل الاحتلال الإسرائيلي على تطبيق القانون في المنطقة (ج) عن طريق مصادرة مئات الآلاف من الأراضي الزراعية فيها والمملوكة للمواطنين الفلسطينيين، مما يؤدي إلى خسارة فادحة في مصادر دخل العديد من المزارعين وإلحاق الضرر بجميع السكان باعتبار اعتماده على الزراعة المحلية كمصدر رئيسي لإنتاج الغذاء.

ويعد المواطن الفلسطيني محمود من بلدة ترمسعيا من أولئك الذين سوف يتأثرون بعملية الضم بشكل كبير، فقد تخسر أسرته أرضها ومصدر رزقها الوحيد التي لطالما حاربت المستوطنين طيلة أعوام طويلة لمنعهم من الاستيلاء عليها بين عشية وضحاها.

وكذلك الأمر مع مريم التي حاربت منذ وقت طويل من أجل إزالة البؤرة الاستيطانية (أمونا) والتي أقيمت على أرضها بشكل غير شرعي.

بالرغم من عدم تعرض بعض المناطق لعملية الضم، إلا أن الكثيرين ممن يملكون أراض زراعية في المناطق التي ستخضع للسيادة الإسرائيلية سوف يتأثرون بشكل كبير. فحتى إن لم يطبق قانون ملكية الغائبين فهناك احتمال كبير بأن يفقد الفلسطينيين القدرة على الوصول إلى أراضيهم الزراعية والتي تقبع معظمها في المنطقة (ج).

انتزاع الأراضي عنوة.. والمزيد من المشردين

وبسبب بناء معظم المستوطنات والبؤر الاستيطانية بالقرب من المزارع الفلسطينية، فإن أي عملية ضم كلي أو جزئي لهذه المناطق سوف يشمل مصادرة مساحات زراعية شاسعة يملكها الفلسطينيين.

ويعتبر وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم في المنطقة (ج) أمرًا محدودًا بالفعل و ذلك بسبب الإجراءات الأمنية التي تهدف إلى حماية المستوطنين والفلسطينيين من بعضهم البعض، ويستخدم الاحتلال هذا النظام لمنع العديد من الفلسطينيين دخول أراضيهم والذي قد يصل لعدة أيام بالعام وبتنسيق مسبق معهم.

وبالتالي، فإن هناك احتمال كبير بأن يتم إلغاء هذا النوع من الوصول المحدود إذا ما تمت عملية ضم الضفة لأن الاحتلال الإسرائيلي سوف يعتبر ذلك تعد على سيادتها على تلك الأراضي.

وفي حالة لم يتم مصادرة الأراضي رسميًا، فإن ملاك الأراضي سيفقدون عمليًا القدرة على زراعة المحاصيل كسبيل للعيش. وبذلك سوف تكون تلك الأراضي أمام مرأى محمود ومريم وغيرهم من المزارعين ولكن لن يسمح لهم بالوصول إليها.

ومن شأن الضم أيضًا أن يسمح بمصادرة الأراضي بحجة “تلبية المصلحة العامة”، والتي تهدف بشكل بديهي إلى خدمة الإسرائيليين الذين يعيشون في تلك المناطق. فقد يتخذ الاحتلال البند الوارد في قانون الاحتلال الحربي المدرج تحت لائحة القانون الدولي الإنساني ذريعةً للتمادي في عملية المصادرة، فحسب ما ورد في بنود القانون أنه يحق للاحتلال مصادرة الأراضي حرصًا على تلبية المصلحة العامة. وبذلك تتم عملية المصادرة وحتى إن كانت أساسًا لا تخدم المواطنين الفلسطينيين.

وتستطيع إسرائيل بذلك مصادرة الأراضي من أجل بناء الأحياء والحدائق والمدارس ومراكز التسوق والطرق لخدمة المستوطنين الإسرائيليين. فمن الجدير بالذكر أن الاحتلال قام ببناء 11 حيًا استيطانيًا جديدًا في القدس الشرقية على أراض انتزعت ملكيتها من الفلسطينيين فور الإعلان عن ضم مدينة القدس، وقد تم بناء تلك الأحياء الاستيطانية لليهود الذين يمثلون الأغلبية العظمى في المنطقة.

عملية ضم الضفة ترهق كاهل الفلسطينيين

ويعاني الفلسطينيون بالفعل من انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان بدون التقيد بإطار قانون الاحتلال الخاضع للقانون الدولي الإنساني. فالاحتلال يعتبر بأنه يمتلك كامل السلطة للقيام بما يراه مناسبًا وفقًا لاعتبارات خاصة على الأراضي الخاضعة لسيادته، وذلك يخالف تمامًا مفهوم الاحتلال العسكري الذي ينص تعريفه على أنه احتلال مؤقت يتطلب من سلطته السعي الحثيث لإنهائه، وهو أمر بالتأكيد لا نستطيع تطبيقه على الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يتوقف منذ أكثر من 53 عامًا.

وبذلك تحمل عملية الضم للضفة الغربية صفة الديمومة، والتي ستزيد من حجم انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضد الفلسطينيين.

يجب أن ينظر إلى مشروع ضم الضفة الغربية للاحتلال الإسرائيلي بمنظور متكامل؛ فهو عمل عدواني أحادي الجانب، وانتهاك مباشر للقانون الدولي، ووسيلة تصعيد لمشروع الاحتلال لنزع ملكية الفلسطينيين. وبذلك سوف يؤدي الضم إلى تجريد الفلسطينيين من حقوقهم القليلة المتبقية والمنتهكة غالبًا، محرومين من الاستقلال بدولتهم الخاصة مثل بقية دول العالم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أماني الصفدي

كاتبة ومترجمة تحريرية من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق