مال وأعمال

علم الاقتصاد .. من المنظور النمساوي

لا شك في أن علم الاقتصاد اليوم يوجد له عدة تعريفات تختلف حسب كل مدرسة ومنظريها. وفي هذه المقالة سنتعرف على وجهة نظر مختلفة عما ندرسه ونتعلمه في مناهجنا الدراسية، وجهة النظر هذه تعود بقوة للواجهة اليوم؛ بعد أن أثبتت موضوعيتها في العديد من القضايا.

لكن قبل ذلك دعونا نتعرف بشكل مختصر على تاريخ المدرسة النمساوية في الاقتصاد.
تعود نشأتها إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، حيث انبثقت من جامعة فيينا Universität Wien مع نشر كتاب مبادئ علم الاقتصاد Principles of Economics لكارل منجر Carl Menger في عام 1871، الذي انتقد فيه المدرسة التاريخية التي تقول أن علم الاقتصاد يشبه التاريخ: أي أنه يتعامل مع أحداث منفردة يستحيل أن تتكرر على النحو ذاته أبداً.
لقد أحدث منجر مع ويليام ستانلي جيفونز وليون فالراس ثورة في الفكر الاقتصادي تدعى “تحليل المنفعة الحدية” وهو ما أصبح أحد ركائز علم الاقتصاد اليوم. ومفاده أن البشر يختارون على أساس المنفعة التي تقدمها لهم الأشياء المختلفة (أي يشترون حسب الأولويات ويتخلون عن أشياء أقل قيمة) ومن خلال فهمنا لهذا المبدأ يمكننا معرفة كيف يجري الناس صفقاتهم الاقتصادية وكيف تعمل الأسواق.
المبدأ الأساسي والجوهري للمدرسة هو ما يسمى “الفردانية المنهجية” أي أنه يجب على الاقتصاديين البدء من مستوى الأفراد ومحاولة تفهم كيف يختارون. وإن نهجهم المبني على الفرد والقيمة يوفر تفسيراً أفضل للأحداث الاقتصادية: كفترات الانتعاش والكساد الاقتصاديين.

ويمكننا أن نذكر أهم مبادئ المدرسة النمساوية:

1- القرارات الاقتصادية التي تنبع منها الظواهر الاقتصادية كافة هي قرارات شخصية في جوهرها وغير متوقعة.
2- القيمة لا توجد في الأشياء، بل في عقول الأفراد الذين يقدرونها، والملكية الخاصة ضرورية لتحقيق أفضل النتائج.
3- التدخل الحكومي، وأخطاء السياسة الاقتصادية، كالتضخم، تعيق عملية السوق بالغة التعقيد هذه ودائماً تأتي بنتائج فاسدة.
ومن وجهة نظرهم التي تركز على الفردانية؛ فإن المجتمع لا يختار؛ لأن الكيان الجمعي ليس به حياة ولا يملك عقلاً ليفكر، إذ قد تقرر الحكومة بعض الأمور من خلال الانتخابات، لكن الأفراد هم من يختارون إلى أين يذهب صوتهم. ودور علم الاقتصاد هو تفهم عملية الاختيار هذه وتأثيراتها. وعلى الاقتصاديين أن يتذكروا أن كل قرار اقتصادي من الاستثمار إلى الإنتاج إلى التجارة فالاستهلاك النهائي، هو في جوهره قرار ذاتي، ويعتمد على قيم الأشخاص المعنيين.
كما أن السلع لا تحتوي على كمية ثابتة من النفع، فالنفع يقبع في عقل المستخدم؛ فالمنفعة والقيمة، أمور ذاتية تماماً.
يؤمن اقتصاديو المدرسة النمساوية بأن العلوم الاجتماعية (كعلم الاقتصاد) هي علوم بالفعل، لكنها مختلفة إلى حد بعيد عن العلوم الطبيعية. في الواقع لا يشبه علم الاقتصاد أي علم آخر؛ ولهذا يشكك النمساويون إجمالاً في استخدام الرياضيات والأساليب الإحصائية التي تعد ملمحًا بارزًا لعلم الاقتصاد السائد. فهو بنظرهم العلم الذي لا يمكن أن يبنى على ثوابت. وهي بذلك ترفض الاقتصاد الكينزي.
منذ منتصف القرن العشرين، كان علماء الاقتصاد السائد ينتقدون المدرسة النمساوية المعاصرة ويعتبرون رفضها للنمذجة الرياضية، والاقتصاد القياسي وتحليل الاقتصاد الكلي خارج الاقتصاد السائد، أو «البدعي». رغم أن المدرسة النمساوية اعتُبرت بدعية منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أنها جذبت اهتمامًا متجددًا في سبعينيات القرن العشرين بعد مشاركة فريدريش هايك بجائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية لعام 1974.
ارتقت سمعة المدرسة النمساوية في أواخر القرن العشرين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى عمل كل من إسرائيل كيرزنر ولودفيغ لاتشمان في جامعة نيويورك وإلى تجدد الوعي العام بعمل هايك بعد فوزه بجائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية.
اليوم، يرى العديد من العلماء والمفكرين أن علم الاقتصاد القادم سيقتبس كثيرًا من الفكر النمساوي، إلا أن المستقبل يحمل الكثير من التحديات والتساؤلات التي ينتظر من أتباع الفكر النمساوي الإجابة عنه ..

Qusay Suso

باحث في الجغرافيا البشرية والاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى