ثقافة وفنون

علم الاجتماع الحديث: ظواهر مجتمعية غريبة وُلِدت من رحم المعاناة

بلا شك سيظل يتذكر العالَم العالِم الفذّ ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع فهو أول من وضع بذرة هذا العلم، وسار خلفه العديد من الباحثين على نفس دربه من حيث مبدؤه، وتفاعل المواطنين مع مجتمعاتهم، وتأثير صفاتهم وميولهم وثقافتهم على المجتمع الذي يعيشون فيه.

ويقال عن علم الاجتماع بأنه علم العلوم، وينطوي تحت عباءته العديد من التخصصات الأكاديمية، مثل: علم النفس، العلوم السياسية، الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، والجغرافيا البشرية، والدراسات الإعلامية، والتاريخ الاجتماعي، والموسيقى، واللغويات، وغيرها من التخصصات.

ويستخدم علماء الاجتماع طرقًا تشبه إلى حد كبير الطرق المستخدمة في العلوم الطبيعية، وتعتمد منهجية علوم الاجتماع على الأبحاث الاجتماعية والنظريات وتشكيل مرحلة الوعي وفهم الواقع وتفرعاته وأبعاده.

اقرأ أيضًا: أين أنا؟.. غُصّة الحائر وسؤاله الدائم للتعرف على نفسه

ولعلنا اليوم أمام تحد كبير للوصول إلى الشكل الأمثل لهذه العلاقة، وذلك بعد أن طرأت متغيرات كبيرة على سلوك الأفراد أنفسهم والمجتمع مما يؤدي إلى تطورات غير كاملة وغير ناضجة بالمرة، فالحرية والتعبير عما يدور بالعقل ويسكن في القلب الآن يتخيلها الكثير، أنها أصبحت جامعة والواقع يحدثنا بغير ذلك تمامًا.

ليست السمات المميزة للأشخاص هي الحقيقية وإنما هي عنوان للتضليل والتزييف المحكم، والأقنعة الملونة والرياء الجمّ، فلا يستطيع العالم أو الباحث أن يستنبط بعقله منها الشخصيات الحقيقية وتفاعلها مع مثيلاتها داخل المجتمع نفسه.

أصبحت أنماط الشخصيات والبحث التجريبي والتحليل النقدي مترامية الأطراف ومتماثلة في القبح والفجر والعدوان، بوجود العديد من المشاكل التي تهدد الحياة الاجتماعية والأسرية.

وتساعد دراسة علم الاجتماع في تحديد أسباب هذه المشاكل؛ حتى يصبح بالإمكان حلها، والتعلم من دروس التاريخ، ومجابهة التحديات والصعوبات والمعوقات.

وساعد علم الاجتماع أيضًا في فهم ضروريات إعادة البناء الاقتصادي والسياسي وإدراك تأثير البيئة المحيطة وتنوعها، حيث يقوم علم الاجتماع بإزالة الفوارق الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويساعد أيضًا في فهم أوجه التشابه بين العادات والتقاليد والثقافة، وتعزيز الوحدة الوطنية والتي تساعد على تعليم كيفية التصرف باحترام في العموم.

المجتمع أساسه الطبقي هو المادة الخصبة لمعرفة حياة وظروف ومعاناة أو سعادة كل طبقة على حدة. ويذكرنا واقعنا الحالي للأسف بمحو الطبقة المتوسطة التي كانت تفرض عدم وقوع الطبقة العليا في الغلو، وكانت تخفف عن الطبقة الدنيا العذاب الشديد، وتحاول أن تشد بعض أفرادها لأعلى قليلًا.

وكانت تعيش أغلبية المجتمع تحت كنف الطبقة المتوسطة، وكانت راضية صابرة لا تبغي العلو أو التدني لأسفل، وكان معظم أفرادها بمثابة الخيمة الضامة لكل أنواع العلماء والكتاب والمثقفين والروائيين والنقاد والشعراء، تناشد الطبقة العليا المطالب والتنازلات لها وللطبقة الدنيا.

أما الآن، تبارت الطبقة العليا وصعدت صعود الجبال وتركت الطبقة المتوسطة والدنيا متحدتان نحو القاع متعانقان، وأصبح ثمة أخطاء كبيرة حدثت في كيان المجتمع من تسلسل سياسي واقتصادي وصحة ومرض وعدم وجود المساواة الاجتماعية، ومن ثم ينذر بالخطر المنتظر والواقع الحالك السواد.

وأصبح من الصعوبة دراسة الشخصيات وضمائرها وتركيباتها الاجتماعية في تحديد الأوليات واكتشاف الدوافع واستباق النتائج، وتبعثرت الآمال والأحلام تحت الركام، فالشخصية السوية تحتاج مد يد العون لانتشالها من الفوضى والخراب والدمار وأفول شمس الحقيقة في جميع الأركان.

وفي ذات الوقت، نجد تمادي المجتمع في الجمود وتلاشت الابتكارات والإبداعات وتم استيراد كل شيء من الخارج، ومعه بكل صدق اندثرت الأخلاق وضاعت المروءة والشهامة داخل جدران الصمت، وذاع صيت انفصام الشخصيات وتوترها العقلي واضطرابها.

ويتساءل الكثيرون إلى متى سيظل الواقع قاتمًا غير واضح الرؤية والمعالم. صارت أبحاث علم الاجتماع وماهيتها ليست إلا حبر على ورق، طفحت الطفليات على سطح المياه وعكرت صفو المياه، وسبح الفقراء في بحر من الأوجاع.

وجلس المشردون على قضبان القطارات، وتجمع المحتاجين حول صناديق القمامات، وافترش المساكين الشوارع والأزقة والمدقات وتحت رؤوس الكباري، ووقف العلماء عند أبواب القصور لاجئين، وظهرت الحروب الأهلية في معظم البلدان، وانقسم عنقود التعاون، وساد الاختلاف والتشرذم بين نفس القطعان وناطقي اللغة الواحدة.

ظواهر ولدت من رحم العذاب، وبكى الوطن بكاءً شديدًا يغسل حرارة السنين، ومع سقوط نسمات المطر بردت الأوجاع قليلاً، والأحلام نادت على أصحابهم فلم تجدهم لأنهم أصبحوا صرعى على قيد الحياة يتمنون النجاة، وصاروا مع السيل إلى وادي من غير زرع ولا ماء ولا أي شكل من أنواع الحياة.

ويرتبط التغيير في مركبات الشخصيات بما يقدمه المجتمع من حلول وسد النواقص وعلو القدر ووضع التصورات والخطط العلمية وتطوير علم الاجتماع بما يشمله من العلوم الاجتماعية لتنمية هذا المجتمع، ولابد للأنفس أن تعيش بالروح والجسد معًا.

لا تترك الجسد ليستعبد وتفرح وتوهم نفسها أن الروح مازالت باقية في أبدانها، لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وبالأمل والتفاءل يومًا ما ستغرد الطيور بين جناحي الحب والسلام تصبو إلى الخير والرزق والمكافآت من رب العباد، لا تحزن يا وطني طالما هنا وهناك أناس لم يذهبوا مع الطاغوت، وما تقدموا لأنفسكم سوف تجدوه إن شاء الله.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق