سياسة وتاريخ

علماء السلطان أم عملاؤه؟

فاجأ النظام السعودي بالأمس متابعي الأخبار خاصة على تويتر وفيس بوك بإقالة صالح المغامسي من إمامة مسجد قباء؛ أول مسجد بني في الإسلام، وتعيين سليمان الرحيلي خلفاً له، لتطوى صفحة المغامسي خادم آل سعود المخلص للأبد بالرغم من تفانيه في تزيين الشر لسلمان وابنه خلال السنوات الماضية.

لكن العرب قديماً قالوا إذا عرف السبب بطل العجب، والسبب في ذلك المصير الذي وصل إليه المغامسي هو تغريدة كتبها على موقع تويتر منذ نحو ثلاثة أيام، استهلها كما عادته بتلميع الملك وولي عهده، خاصة بعد القرار الأخير الذي اتخذه “الدب الداشر” بمنع الطواف حول الكعبة، وإغلاق المسجد النبوي، ووقف رحلات العمرة؛ منعاً لانتشار وباء كورونا.

إلى هنا كان الأمر عادياً، لكن المغامسي تجاوز الخطوط الحمراء، واستخدم لغة الإنسانية للمرة الأولى، وطالب بالإفراج عن المعتقلين في سجون بن سلمان الذين وصفهم بالمساجين المذنبين المخطئين لتجنب انتشار الكورونا في البلاد، وليس لأن أولئك خيرة علماء البلاد ومعتقلون ظلماً، وهنا وقعت الواقعة.

بنيت العلاقة أو لنقل الصفقة بين المؤسسة الدينية المتمثلة في الوهابيين والعائلة الحاكمة متمثلة في عبد العزيز آل سعود منذ تأسيس السعودية على أمرين:

الأول: إظهار الوجه المشرق للنظام السعودي على أنه حامي حمى الإسلام؛ لإخفاء حقيقة دوره في حماية أمن إسرائيل، والحفاظ على المصالح الغربية في الشرق الأوسط، خاصة بعد ظهور النفط بكميات هائلة في الجزيرة العربية.

الثاني: منح آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب الضوء الأخضر لتشكيل المجتمع على هواهم؛ للحفاظ على صورة البلاد كبلد مسلم محافظ يطبق الشريعة، وإن فعل حكامه وبعض من شعبه ما يخالف ذلك في السر.

وعليه تولى ملوك السعودية مع أبناء وأحفاد بن عبد الوهاب تصدير صورة خادم الحرمين المشرف على الإسلام داخل المملكة وخارجها، كما شكل مجلس من علماء السلطة باسم هيئة البيعة لاختيار ولي عهد الملك الحالي، في حين غض النظام الطرف عن حالة التشدد التي أضفاها التيار الوهابي، طالما خدم هذا التيار بقاء النظام في السلطة.

ومع غزو العراق للكويت، ظهر تيار المداخلة نسبة لمحمد بن ربيع المدخلي؛ الذي جرم وحرم الخروج على الحاكم مبيحاً لآل سعود الاستعانة بالأمريكيين لإخراج صدام من الكويت؛ استباقاً لرفض الشرع هذا الأمر، مما قد يزعزع بقاء ملك آل سعود، ونجح المخطط وبقي آل سلول إلى يومنا هذا.

استمرت الصفقة بين قصر اليمامة وعلماء السلطان حتى حل عام 2017، وفي ذلك العام انقلبت الأمور رأساً على عقب بعدما تخلص محمد بن سلمان من ابن عمه وولي العهد السابق محد بن نايف، فخرج عبد الرحمن السديس إمام الحرم المكي ليعلن تأييده لولي العهد الجامح بتلاوة آية من سورة الفتح؛ بما معناه أن مبايعي بن سلمان مبايعون لله، وهو اقتباس ليس في محله بالمرة!

وعندما فتح بن سلمان أبواب بلاد الحرمين للمجون والخلاعة تحت ستار الترفيه والحداثة؛ خرج علماء كنا نحسبهم على خير يعددون فوائد قراره الحكيم ونظرته الثاقبة، مثل عادل الكلباني إمام المسجد الحرام، وعائض القرني الداعية الشهير، وصالح المغامسي، فيما اعتقل علماء مثل محمد صالح المنجد، وعوض القرني، وسلمان العودة؛ لا لشيء إلا لأنهم لم يجاروا هوى السلطة.

ينهار علماء السلطة وتضيع هيبتهم في أعين الناس، وحقيقة هذا ينذر بانهيار أسيادهم الذين غذوهم ليمتطوهم وقت الحاجة، ثم يطلقون عليهم رصاصة الرحمة بعدما تنتهي مهامهم قبل أن ينتهي الأمر بالجميع إلى مزابل التاريخ، فهم لم يكونوا يوماً علماء ينتفع الناس بعلمهم، بل عملاء يجملون وجه أرباب نعمتهم الكالح.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق