سياسة و تاريخ

علاقة الأبحاث السوسيولوجية الكولونيالية بالمخططات الاستعمارية (الظهير البربري نموذجا)

أصبح يظهر جليا أن الأبحاث السوسيولوجية الكولونيالية لم يكن هدفها البحث والمعرفة فقط، بل كانت تستغل ذلك من أجل خدمة مصالح الاستعمار الفرنسي الذي كان يطمح بعد احتلاله للجزائر، أن يسيطر على المغرب أيضا.

دور الأبحاث السوسيولوجية خلال فترة ما قبل الاستعمار:

عن طريق دراسة وتحليل مختلف الخصائص الاجتماعية، والسياسية، والثقافية التي تميز المغرب، استطاع المستعمر الفرنسي أن يضمن لنفس ولوجا سلسا لهذا البلد، لكن كيف ذلك؟

حاولت هذه الأبحاث أن تنقل صورة مشوهة عن المغرب مبينة أنه يعيش في فوضى كبيرة، فبالنسبة لها المغرب كان ذلك البلد الغريب البدائي المتوحش، كما أنها تطرقت إلى بنيته السياسية والاجتماعية، وبالتالي فهي اطلعت على طبيعته القبلية وأيضا على طبيعة العلاقة التي تجمع بين معظم القبائل والمخزن المغربي، فأظهرته غير قادر على تجاوز التشرذم السياسي الذي كان يعيشه، وعن طريق هذه المعطيات، تم ترسيخ فكرة أن المغرب في حاجة لمن يخرجه من الفوضى التي يغرق فيها، خاصة بعد فرض ضريبة الترتيب التي جعلته يدخل في حالات من التمرد، و”المنقذ” بالطبع هو المستعمر الفرنسي الذي سيسعى حسب قوله، لترسيخ “المساواة والحرية وحقوق الإنسان”.

دورها خلال فترة الاستعمار

استمر الباحثون الفرنسيون في محاولة اكتشاف المغرب حتى خلال فترة الاستعمار، فكلما عرفوا أكثر استطاعوا التفكير في مخططات استعمارية تعزز تواجدهم بهذا البلد، حيث قاموا بعقد مجموعة من الاتفاقيات مع مجموعة من الدول الإمبريالية الأخرى حتى يحتفظوا به لأنفسهم.

لعل أهم ما لاحظه هؤلاء الباحثون هو التعدد والتنوع الثقافي المغربي، حيث ينقسم المغاربة، في نظرهم، إلى ثنائيات: عرب وبربر، بلاد السيبة وبلاد المخزن… ومن خلال هذه الثنائيات التي كان السوسيولوجي ميشو بلير أول من أشار إليها، بدأ الاستعمار الفرنسي مخططه الهادف في السيطرة على القبائل البربرية بالخصوص، عبر ترسيخ مجموعة من الأفكار الدخيلة على المجتمع المغربي.

أكد ميشو بلير من خلال أعماله المرتبطة بالمغرب وطبيعته، أن المجتمع المغربي “مجزأ، ثائر ومتعدد، مفتت بفعل تعددية عرقية”[1]

بالنسبة للدراسات الكولونيالية فإن هناك تعارض وصراع بين الأمازيغ والمخزن، حيث أن هذا الأخير يمكن اعتباره عدوا للقبائل البربرية يأخذ منها الضرائب ويحاول السيطرة عليها حينما تتمرد على سلطته، وعلى هذا الأساس بدأ التعامل مع القبائل الأمازيغية وكأنها جزء منفصل عن المغرب.

في هذا السياق، أصبح يتم التمييز، ليس فقط بين المخزن والقبائل الأمازيغية، بل حتى بين العرب والبربر، وهذه المرة على أساس عرقي (إثني)، وأيضا على أساس لغوي..

من هنا بدأ التنظير للصراع في المغرب العربي، حيث تم الترويج لفكرة أن الإسلام دخيل على البربر وأن اعتناقهم له كان سطحيا، فقد فرض ذلك عليهم من طرف العرب.

حاول المستعمر الفرنسي أن يحيي فكرة كون العرب مجرد مستعمرين، حيث نجد ميشو بلير يقول: “المخزن هو اتحاد خرج من الفتح العربي، رغم وظيفته الوحيدة الطفيلية، فهو مستمر نظريا تحت غطاء الدين، هذا المخزن تم فرضه على بنية أصلية لمقاومة للأجنبي، إنه المغرب الرسمي، المغرب الدبلوماسي الذي نتعامل معه ونقرضه، إنه باختصار مغرب الجزيرة الخضراء. تحت هذا الغزو (الاحتلال) العربي استمر المغرب العميق، مغرب التنظيم البربري في الوجود والمقاومة.”[2]

إذن، نلاحظ محاولة جعل تمرد القبائل البربرية يبدو كأنه مقاومة “للاستعمار العربي”، وإظهار الاحتلال الفرنسي كأنه المدافع عن حقوق هؤلاء الأمازيغ، بل تم اعتبارهم امتداد للثقافة الغربية.

الظهير البربري كتجسيد لما ورد في الأبحاث 

استمرت الأبحاث السوسيولوجية الكولونيالية في محاولة إبراز الاختلاف القائم بين العرب والأمازيغ، وتظهر هذا الاختلاف وكأنه تعارض أو صراع… وهي نفس الفكرة التي تطرق لها روبير مونتاني في كتابه “البربر والمخزن”، هذا الكتاب الذي حاول من خلاله دراسة أشكال الحياة الاجتماعية للأمازيغ، ومختلف تقاليدهم وعاداتهم، ليخلص إلى أن هناك تباين بين العرب والأمازيغ، فالأولون يعتمدون في حكمهم على الشرع أو بالأحرى الشريعة الإسلامية، أما البربر فيعتمدون على العرف والعادة، بالإضافة إلى الاختلاف على عدة مستويات أخرى أهمها اللغة.

انطلاقا من هذه الدراسات كلها التي سبق ذكرها، وبالإضافة إلى دراسات أخرى ربما تكون قد غابت عنا، فكر الاستعمار الفرنسي في إصدار ما يسمى بالظهير البربري، وهو عبارة عن قانون صدر سنة 1930 وينص على جعل المنطقة الأمازيغية تحت إدارة السلطة الاستعمارية، فيما تبقى المناطق العربية خاضعة لحكومة المخزن والسلطان المغربي، وهكذا أصبحت المحاكم تقام على أساس العرف والعادة المحلية للبربر، ويتم إصدار العقوبات تبعا للقانون الفرنسي بدل القانون المستند للشريعة الإسلامية.

جاء الظهير البربري في إطار السياسات المعتمدة من طرف الاستعمار الفرنسي للتفريق بين العرب والأمازيغ، وخلق صراع وهمي بينهما، والذي كان من شأنه أن يؤثر على كل أشكال المقاومة، فبدل التفكير في مقاومة الاستعمار الفرنسي، يصبح الصراع عربيا-أمازيغيا.

هذا وقد صدر هذا الظهير تزامنا وصدور كتاب “البربر والمخزن” السالف الذكر، مما يظهر بشكل جلي ارتباط الأبحاث التي كان يقوم بها المفكرون الفرنسيون بالمخططات التي كانت تفرضها الإدارة العامة للاستعمار الفرنسي.

حاول مونتاني من خلال هذا الكتاب الحديث عن القبائل البربرية اعتبارها وكأنها “جمهوريات مستقلة”[3]، فظل يكرر طيلة فصول كتابه أنها جمهوريات ذات طابع ديمقراطي عسكري، لكن عند خضوعها لحكم المخزن، فإن هذا الأخير يدمر الديمقراطية البربرية ويفقدها طابعها الخاص بها.

هكذا فقد كان الظهير البربري ” محاولة لمأسسة نظامين قانونيين مختلفين في المغرب، الأول مستند إلى القوانين العرفية المحلية ومخصص للأشخاص الذين اعتبروا من الأمازيغ، والثاني مستند إلى الشريعة الإسلامية ومخصص للعرب.”[4]  أي أن المغرب أصبح ينقسم في نظرهم، إلى مناطق تابعة للمخزن، وأخرى تابعة للمقيم الفرنسي.

استندت فرنسا على مجموعة من الأفكار من أجل تسهيل ودعم تغلغلها الاستعماري في المغرب، حيث اعتمدت على السوسيولوجية وجعلتها مؤسسة إدارية تخدم مصلحة الإقامة العامة عن طريق كل تلك الأفكار التي تم تمريرها من خلال تلك الأبحاث التي أنجزها مفكرون فرنسيون، كما أنها اعتمدت على تلك الثنائيات التي خلقتها من خلال هذه الدراسات لكي تعزز سيطرتها التي وصلت أوجها وصدور الظهير البربري سنة 1930.

في الأخير، يمكننا القول بأن كل ما صدر من أبحاث تخص المغرب خلال الفترة الاستعمارية، كان يخدم الاحتلال الفرنسي من البداية إلى النهاية، يخدم أهدافه وطموحاته.

جاء استعمار المغرب بناء على معرفة مسبقة، بفضل تلك الدراسات التي قام بها المفكرون الفرنسيون، وهكذا كان المستعمر على دراية بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والثقافي للبلد الذي سيحتله، ثم استغل تلك الأبحاث لخلق صراع وهمي بين مكونات الشعب المغربي التي تتميز بالتنوع الثقافي، وذلك من أجل تبرير مخططاته، بل إن فهمه لطبيعة هذا الاختلاف والتعدد الثقافي هي ما جعلته يفكر في كل تلك المخططات الاستعمارية.

هذا وقد أكد هذا الطرح مجموعة من الباحثين الفرنسيين فيما بعد، حيث وضحوا علاقة معظم الأبحاث التي صدرت في تلك الفترة والتي كانت لها أهداف أخرى غير البحث العلمي والمعرفة، ومن بينهم جاك بيرك الذي تطرق لهذا الموضوع في العديد من مؤلفاته أهمها “البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير”، كما حاول في ما بعد مجموعة من المفكرين المغاربة معالجة هذا الموضوع وتوضيحه فيما يسمى “ما بعد الكولونيالية”، مثل عبد الله العروي، وجرمان عياش…[5]

مراجع معتمدة:

[1]محمد مزيان، المغرب في الأدبيات الكولونيالية الفرنسية ومشروعية الغزو والإلحاق، مجلة عمران، العدد17/5، 2016، ص 120.

[2]محمد مزيان، المغرب في الأدبيات الكولونيالية الفرنسية ومشروعية الغزو والإلحاق، ص 120.

[3]Voir Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen Dans le sud de Maroc, essaie sur la transformation politique des berbères sédentaire, Librairie Félix Alcan, Paris, 1930

[4] https://www.maghress.com/attajdid/69838

[5] أنظر جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق