ثقافة و فنون

علاج شوبنهاور: اعتزِل الحياة لتفهمها

علاج شوبنهاور، لو لم يكن المؤلف هو ايرفن د يالوم، لكان من المرجح اعتبار اختيار العنوان مقصودا لإثارة الصدمة و الفضول و شد الانتباه، فهو بالإضافة إلى كونه كاتبا و روائيا ناجحا فهو  طبيب نفسي و أستاذ جامعي و مؤلف لكتب لا تقل قيمة على غرار ـ عندما بكى نيتشه ـ أو ـ مشكلة سبينوزا ـ ، و مع إنهاء السطر الأخير من الرواية تتأكد أن اختيار العنوان كان دقيقا جدا، فقد انبعث شوبنهاور مجددا ليساهم في العلاج النفسي و في جلسات العلاج الجماعي، نعم آرثر شوبنهاور الذي عُرف بفلسفته التشاؤمية و الذي يصف الإنسان بالكائن ذو القدمين. و يعتبر الحياة بل الوجود كله شرور و أحزان و آلام.

أحداث الرواية تبدأ باكتشاف المعالج النفسي جوليوس صدفة أنه مصاب بسرطان الجلد، و يخبره طبيبه أن إمكانية العلاج شبه مستحيلة و أن احتمال العيش بصحة جيدة سيكون في حدود مدة زمنية لا تتجاوز سنة واحدة، ما يسبب له صدمة كبيرة و ألما نفسي حادا، وهو الذي كان يساعد مرضاه على مواجهة و تقبل كل الصدمات و المشكلات النفسية، فكر جوليوس مجددا في حياته التي عاشها و التي سيودعها قريبا، خطرت بباله فكرة تفقد بعض التجارب العملية التي عاشها لعلها تعطي لحياته قيمة تقلل من حدة شعوره باليأس، قرر أن يتصل مجددا ببعض من مرضاه السابقين للاستفسار عن حياتهم بعد العلاج، أثناء البحث في الملفات القديمة وقع بصره على الملف السميك لرجل فشل في علاجه في جلسات منتظمة دامت ل3 سنوات، كان ذلك قبل 20 سنة، فيليب سلايت الرجل العنيد الذي لم يتغير على الإطلاق طوال 3 سنوات من العلاج و الذي كان مصابا بالإدمان القهري على الجنس.

اتصل جوليوس بفيليب ليتفاجأ أنه حصل على الدكتوراه في الفلسفة و انه بصدد بداية مشوار عمل جديد كمعالج نفسي و انه لا يحتاج إلا إلى مرحلة إشراف مهني أخيرة، وافق جوليوس على أن يكون المشرف بشرط أن يحضر فيليب جلسات العلاج الجماعي للسنة الأخيرة لجوليوس و يدرسه فلسفة شوبنهاور التي اعترف فيليب بفخر و ثقة  أنها وحدها فقط من نجحت في علاجه، فهل كان جوليوس يحتاج بدوره لعلاج نفسي طالما أن كفاءته المهنية في علم النفس لم تساعده على تقبل مغادرة الحياة؟ و هل كان فيليب سلايت قادرا على الالتزام بحضور جلسات جماعية في وقت اعتاد أن يعيش فيه عزلة تامة لسنوات طويلة و انه تشبع بأفكار الفيلسوف شوبنهاور.

تتوالى الجلسات و تزداد معها حدة الجدل بين أعضاء المجموعة، حوارات فكرية و فلسفية قوية تناقش أغلب المشكلات النفسية و الاجتماعية الشائعة، و يستعرض فيها فيليب فلسفة شوبنهاور كحل للكثير من المشاكل و الصدمات و الآلام النفسية، و بالتوازي مع السرد الروائي الجميل يقحم المؤلف فقرات تتحدث عن السيرة الذاتية لشوبنهاور، ليكون بذلك هذا الكتاب عبارة عن رواية فلسفية وفي نفس الوقت وثيقة تاريخية.

آرثر شوبنهاور ، الفيلسوف الألماني الذي عاش في بداية القرن 19، أتقن اللغة الألمانية و الفرنسية و الايطالية والاسبانية، وانكب على دراسة الفلسفات الغربية وحتى الفسفات والديانات الشرقية، و اشتهر بفلسفته التشاؤمية و بشخصيته الغامضة و كانت له طباع حادة حتى مع أقرب الناس إليه، فلم يكن يُعرف له أصدقاء أو مقربون باستثناء كلبه،  كما عُرف بمقولات مثيرة تعلي من شأن العزلة و تعتبر الحياة شر و تصف الإنسان بالكائن ذو القدمين.

كانت علاقته مع أمه سيئة و متوترة جدا و إن كان لها فضل كبير في تشجيعه على القراءة و العلم عوض ممارسة التجارة، ورث عن أبيه التاجر الكبير ثروة مكنته من العيش حتى وفاته وحيدا في فندق متوسط، سخر حياته للفكر والفلسفة، و بقي صامدا واثقا في إنتاجه الفكري المتماسك رغم أنه كان يجد صعوبة في إقناع دور النشر بطبع كتبه إذ لم تكن تلقى أي رواج  إلا في آخر فترات حياته، لكن فلسفته باتت و إلى اليوم موضوع بحوث و دراسات كثيرة، قال عنه تولستوي انه رجل عبقري بامتياز بين الرجال، و اعتبره فاغنر هبة من السماء  واعترف نيتشه بأن حياته لم تعد كما كانت بعد أن اشترى مجلدا مهترئا لشوبنهاور قائلا ــ لقد تركت ذلك العبقري الكئيب يعمل بحيوية في عقلي ــ.

بين سطور الكتاب أسئلة وجودية قوية تم التخلي عنها و مع نهايته أطرح السؤال : كيف تم وصف فلسفة شوبنهاور بالتشاؤمية ؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫2 تعليقات

  1. اسلوب رائع و مبسط من كاتب غير متشائم
    احسنت يا احمد
    فيما يخص السؤال ضف إليه سؤالي هدا
    عبارة التشاؤم تحتاج إلى مسائلة ونقاش فما هو التشاؤم الذي يطرحه شوبنهاور؟

    1. شكرا لمرورك الاستاذ خالد، سؤالي في اخر المقال كان تشكيكا في مدى دقة الوصف . اذ لا ارى انها فلسفة تشائمية بقدر ماهي تصورات و افكار واعية في محاولة لفهم ماهية الحياة و الوجود . و موضوع التشائم يصعب تحديد النقاش بشأنه فهو مفهوم نسبي و مرتبط بثقافة و توقعات و قناعات كل شخص و بيئته الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق