ثقافة وفنون

“عقيدة قس من جبال سافوا” مناقشة لأفكار روسو “الدينية”

دين الفطرة

لا ينفصل هذا الكتاب عن نهج جان جاك روسو في الإعلاء من شأن البراءة والعفوية على الثقافة والتكلف. ويواصل فيه انتقاد العلم والفن لصالح العدل والمساواة. لقد كان روسو يمثل ميل الجمهور العادي غير المثقف في عصره، وفي كتابه هذا (الذي هو جزء من مؤلف إميل) يسعى روسو لإيجاد عقيدة دينية تلائم “الضمير” و”العقل” وخالية من الألغاز. يشرح روسو على لسان القس معتقداته الدينية وكيف توصل إليها من خلال تجربة شخصية للقس، موجها خطابه وعظته لشاب أضله سعيه العقلي بحثا عن مدبر للكون. وهو يرى أن العقل غير كاف لبلوغ الاطمئنان الوجداني. فيقول روسو أن نور العقل يقود فحسب إلى ما يدعوه “دين الفطرة” الذي هو صوت الضمير في كل إنسان. وروسو لا يدعو إلى دين جديد، فهو من أنصار الفردانية المطلقة، وإنما يسعى إلى سعادة الفرد ورضاه عن نفسه، فهو ينظر غلى الدين على أنه ظاهرة اجتماعية سياسية. وفي موقع آخر من مؤلف “إميل” نقرأ أن تجربة القس هي تجربة شخصية غير ملزمة باتباعها فيكتب روسو: “كل ما يمكن أن يهدينا إليه نور العقل في حدود الطبيعة هو دين الفطرة. لذا أقف عند حده في مخاطبة إميل. إن قدر له اعتناق ديانة أخرى فليس من حقي أن أرشده إليها. عليه أن يختار بنفسه”. وآراء روسو بما يخص الفطرة البشرية مدون في كتابه “أصل اللامساواة بين الناس”. فالفطرة عند روسو باختصار تتضمن الميل نحو الحرية وفعل الخير والتي يسعى المجتمع بمؤسساته إلى قمعها وكبحها.

تأتي أهمية كتاب “عقيدة قس من جبال سافوا” من إعادة طرح السؤال الذي طرحه روسو في باريس: “ما شكل الدين المناسب في المجتمع المادي الذي تخلى عن الدين التقليدي؟”. ونحن اليوم، كما كان الناس في زمن روسو، نعيش وضعا وإشكالا مماثلا. وسوف تتضمن هذه السلسلة من المقالات تلخيصا وإيجازا ومناقشة لأفكار الفيلسوف جان جاك روسو الواردة في هذا الكتاب.

يبدأ القس في التصريح بوجود تناقض بين التبتل الكنسي والطبيعة البشرية: “لكن بعد أن أصبحت قسا، لم ألبث أن شعرت بأنني التزمت بما يفوق طاقتي، أعني التنكر لطبيعتي الإنسانية”.

ثم نجد ردا على من يدعون بان الضمير وهم متوارث: “تجربتي تثبت أن ضميرنا يطيع أوامر الطبيعة ويعاكس قانون البشر.. أيها الشاب الطيب عش حيث لا تصغي إلا إلى نداء البراءة. تذكر أن الوقاية من الطبيعة تضر المرء أكثر من معاكستها”. ويضيف أن الزواج أول مؤسسات الطبيعة أشرفها. وربما يكون هذا التصريح تضمينا لغريزة الجنس في شكلها الاجتماعي، والتي يحرّمها التبتل الكنسي.

إن الادعاء بأن الضمير وهم كرره فرويد لاحقا، وتبناه هتلر في خطاباته النازية. يعود روسو للدفاع عن فطرية الضمير، ويحاجج بأننا “لا نقصد الخير ونعرض عن الشر بالتعلم، بل بعزيمة أودعتها الطبيعة فينا”.

عجز الفلاسفة

يحاول روسو إثبات وجود مبادئ أخلاقية اعتمادا على الطبيعة. ويجد أن الضمير هو ما يجعل الإنسان يحس بتفوقه على الحيوان. فيقول: “إن عواطف حب الذات وتجنب الألم واستفظاع الموت والتطلع إلى السعادة مطبوعة في الإنسان. وبما أن الإنسان اجتماعي بطبعه، أو مؤهل لذلك، فلا بد أن تكون لديه عواطف تجاه النوع البشري”.

يدين روسو فلاسفة عصره لتشبثهم بآرائهم ومزاعمهم، ويرى أنهم “أقوياء في حال الهجوم، ضعفاء في حال الدفاع”. وهذه الصيغة تنطبق على أهل الأديان كافة. يوعز روسو ذلك لسببين: 1- عجز الإنسان. و2- تكبر الإنسان. ويستشهد بحقيقة لا زالت تسري على عصرنا: “الكون والإنسان هما أعظم الألغاز”. ويدعو روسو إلى البحث في المواضيع المهمة فقط، والتي يمكن من خلالها تحصيل المعارف. وهذا التوجه “اللا أدري” في الفلسفة تجاه القضايا الهامة، سبق روسو فيه جل الفلاسفة.

ويمكن تلخيص المنهج الفلسفي لروسو في 5 بنود رئيسية:

1- يجب التخلص من الأحكام المسبقة.

2- إن الأفكار الأعم والأبسط هي الأقرب إلى العقل.

3- ينبغي عرض أي فكرة على كل الاعتراضات الموجهة إليها.

4- ينبغي عدم الخوض في جدالات عقيمة.

5- ما لا يثبت فإنني لا أقره ولا أنفيه، ولا يعنيني إيضاحه في شيء إن كان لا يأتي بمنفعة.

يفترق روسو عن الديكارتيين (أتباع ديكارت) في إثبات وجود الكون بمعزل عن العقل الراصد. ومن المثير للاهتمام أن روسو يرتكن في الاعتقاد بوجود “إرادة” تسير الكون إلى الشعور وليس العقل: “أؤمن أن الكون تسيره إرادة حكيمة. أرى ذلك، بل أشعر به وهو أمر يهمني أن أعرفه”. لكنه يتوقف عند هذا الحد لاستحالة إمكانية معرفة التضمينات المتعلقة بهذا الإقرار، مثل أزلية الكون وطبيعة تلك الإرادة. هنا، نلاحظ أن روسو يبني فلسفة دينية وأخلاقية تأسيسا على الضمير وليس العقل. ويوجه سهام نقده للميتافيزيقيا والفلسفة. ويضرب، على غرار ويليام بيلي لاحقا، مثال الساعة للدلالة إلى حجة صانع الساعة، فالساعة المتقنة تدل على وجود صانع حاذق، والساعة استعارة مجازية للكون.

ولكن لو عاش روسو بعد مئة عام وعاصر تشارلز داروين لربما غير كثيرا من آرائه الدينية والفلسفية، كما فعل هنري ديفيد ثورو الذي كان نفسه متأثرا بروسو.

يتساءل روسو: “لو كانت الأجسام قد انتظمت بفعل الصدفة في ألف شكل وشكل قبل أن تتخذ صورتها الراهنة. إن ظهرت أعضاء ناقصة ثم اختفت لأنها لم تستطع البقاء، فلماذا إذن لا نرى آثار هذه التطورات اليوم؟” هذا تماما هو التساؤل الذي أجابت عنه نظرية التطور في القرن التالي.

يتساءل روسو عن إمكانية انبثاق الفكر والشعور من المادة، وهي إشكالية يستحيل حلها في زمن روسو، بل إنها لا زالت إشكالية مستعصية في الزمن الراهن وتثير عدة نقاشات في الأوساط العلمية والفلسفية، لذلك فإن من الأجدى تنحيتها جانبا.

اقرأ أيضا: فكرة “ثنائية الانسان” عند جان جاك روسو

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى