سياسة وتاريخ

عقولنا وعقولهم: بين الإبداع والخمول

أغلب العقول العربية لأمتنا النائمة تعودت على الكسل والخمول حتى أصبحت صفة وراثية عرفنا بها بين بقية الأمم، إن الخمول يمنع العقل من التفكير والاكتشاف والاختراع والبحث والتطور، إن العقل الجامد المتعود على الخمول يحبذ الأفكار الجاهزة والمصنوعة خارج الأوطان.

تميل العقول العربية للاستهلاك، وهي عقول سلبية ولا تسعى لتكون إيجابية فلا تفكر لا تنتج لا تخطط هي عقول تصنع الإحباط وتدعم التخلف وتحارب الإبداع والإنتاج.

وفي المقابل، خلقت بقية الأمم عقولًا طبيعية نشطة تبحث عن الفكرة فتصنع منها المستحيل فتلبي ما تحتاجه الحياة، يصنعون بعقولهم ويسجلون أسماءهم وأسماء أوطانهم في سجل العالم المتطور المصنع المكتشف.

عقولنا لا تفعل شيء إلا الاستهلاك لا غير، لقد وصل بنا خمولنا الفكري اإلى حد رفض أي فكرة ومعادلة كل فكرة قادمة لتفتح أبوابه الموصدة وتنشطه، ليبقى في حالته خاملًا كسولًا مغلقًا على نفسه.

نقدنا للعمل والتطور والابتكار مرتكز على ثقافة الحلال والحرام، نقدنا للعلم هو نقد عدواني والسبب هو قلة فهمنا وقلة المعرفة والإدراك. إن حب الحياة وإرادة التغير والتطور يفتح العقول العربية ويساهم في الابتكار والتفكير والإبداع بطريقة علمية.

أما التركيز على العالم الآخر بتمجيد الآخرة والحور العين واحتقار الدنيا الذي أرسل إليها ربنا -سبحانه وتعالى- آدم وحواء ليخلفاه فيها. قلت تمجيد الآخرة على الدنيا يساهم في تكبيل عقولنا وخمولها وقتل إرادة الحياة فينا وقتل الأمل وانتشار الخوف واليأس بين الناس.

يجب أن نعيش حياتنا فوق هذا الكوكب حياة حقيقية بعيدة عن الخيال والاعتقادات الفاسدة والاجتهادات الخيالية الغيبية، نحن الآن في زمن العمل والتطور والبحث والاكتشاف ولا مجال للتخلف أو الرجم بالغيب والشعوذة. إنه زمن تحريك العقول العربية وتحفيزها على الابتكار والتطور وترك الكسل وتحفيزه على الاستيعاب والبحث والاكتشاف.

فإذا عدنا إلى العقول الأوروبية مثلًا وسألنا أنفسنا هل كانت هكذا قبل الثورة الصناعية؟ والجواب لا، لقد عانت أوروبا من التخلف وسيطرة سلطة الإقطاعيين التي تمثلهم الكنسية، دخلت أوروبا في حروب شنيعة أدت إلى إنهاء الإقطاع وسيطرة وهيمنة الكنيسة على العقول.

وتغير العقل الأوروبي عالم آخر مليء بالإبداع والاكتشاف والاختراع، بينما العقول العربية بقيت شاردةً تبحث عما هو حرام وما هو حلال وبينهما تجمد العقل العربي.

تجمد العقل أمام العلوم لقرون فلم نكتشف أو نساهم في صناعة السيارة ولا الطائرة ولا الكهرباء ولا الهاتف، لقد انهزمت العقول العربية أمام العلوم الحديثة فلم تقدم خطوة واحدة في علوم الجينات أو علوم الإلكترونيات أو الفضاء وعجز حتى عن اكتشاف لقاح جديد للأمراض المنتشرة حديثًا في العالم.

لقد تطور العالم وبقينا نحن نتجادل حول السياسات الفاشلة ومن يحكمنا مجلس النواب أو رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو كلهم إن اتفقوا وإن لم يتفقوا يعملون على حل الحكومة، وإن لم يتفقوا بعد الحل يحلون المجلس، وإن لم ينفقوا يعزلون الرئيس، وإن فشلوا في الحل يحلون الشعب ويخرجونه من البلاد ويبقون هم في الوطن، ويتواصل النقاش من يحكمنا 2020 و2021. وبعد نناقش من جديد فشل الكل والنتيجة عقولنا لا تعمل لا تنتج لا تبدع ليس لها فائدة. نحن لا نريد أن ننافش كلمة خلق وإبداع لأنه في داخلنا رفض دائم ومستمر للابتكار والتطور.

لقد توصل مفكرو وعقول أوروبا في فترة نهضتها الذين كانوا حاقدين على الكنيسة وكهانها أن يبدعوا ويخرجوا من ظلاميات الكهنة المسبحين وباكتشافهم آداب وفلسفة الإغريق والرومان.
وهنا لا بد من ذكر فضل العقول العربية في تلك العصور حيث اكتشف الأوروبين آداب العرب وفلاسفتهم الكبار كابن سينا والفرابي وابن رشد وابن طفيل وابن باجة وغيرهم كثير.

كان العقل العربي قديمًا يعمل ويبدع وهذا أمر متفق عليه وكان للعرب فضل كبير في نهضة وتطور أوروبا. فهل يستفيق العقل العربي من غيبوبته التي طالت قرون وينطلق في الإبداع والعمل.

اقرأ أيضًا: لنشق في أنهر الحياة مسارًا.. سبيل المواطن العربي في ظل غياب حكوماته

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق