مدونات

عفوا لقد قارب رَصيدُكم من الإنسانيةِ على النفاذ

مع متغيرات الحياة والتسارع نحو المادية القاتلة بكل مكوناتها وعناصرها، يقترب الواحدُ منا من لحظة توشك ذاته أن تصرخ ضَجرةً من أفعاله تنادي عليه مُنِبهةً إياه مُعلِنةً “عفوا لقد قارب رصيدُكم من الإنسانيةِ على النفاد “، حيث يظل الإنسان يفقد شيئاً فشيئا بعضا مما اكتسبه من فِطرةٍ سَوية، ويظل في هذا الفقد حتى يصل إلى الحد الذي تقول له ذاته “عفوا لقد نفد رصيدُكم “.

ذلك الحد الذي لا عودة بعده حيث وحل المادية والتي ألجمته إلجاما؛ إلا أن يأذن اللهُ لمن يشاء ويرضى، وذلك بانتشال النفس من وَحل ماديتها إلى رحابة أُفق جديد، عله يغير طبيعتها ويلبسها حُلة بارقة جديدة تَظهر وتتراءى لكل من يَلحظها ويَحارُ في أمرها سَائلا إياها ألم تكوني فارغة بالأمس؟ ألم ينفد رصيدُك؟ فترد بصوت افتخار وعِزة ” كُنتُ فارغة عندما طَغت الدنيا بماديتها فغلبتني، أما الأن فقد شغلني نور، وهمس في داخلي شعور خفي، طاقت له نفسي مشرقة وشبت تتلقاه راضية مرضية.

إن مادية حياتنا المتغيرة والمتسارعة تلتهم كل يوم ما هو جميل في طبيعتنا حتى أوشكت أن تلتهم ضمائرنا نفسها فتحولها من يقظة إلى غفلة ومن حياة إلى موات، أما من استنارت قلوبهم وعمرها إيمان سرى بين جنباتها فقد أحياه الله حياة جديدة غير التي ألفها وداوم عليها يقول تعالى ﴿أَوَمَن كَانَ مَیۡتࣰا فَأَحۡیَیۡنَـٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورࣰا یَمۡشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِ لَیۡسَ بِخَارِجࣲ مِّنۡهَاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ زُیِّنَ لِلۡكَـٰفِرِینَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام 122].

فشتان بين حياة مادية مظلمة حالكة الظلام وبين حياة جديدة أشرف عليها الله تعالى واختارها لمن شاء فحولته من الموت والظلمة إلى نور يمشي ويعرف به. هذا النور غير من طبائع الكثير فكان للعرب طبيعتان إحداهما قبل البعث الإسلامي والآخر بعده، نموذجان شاهدان على طبيعة الحياة التي اكتسبتها قلوب العرب ،هذان النموذجان يظلان دليلا على فعل الإسلام وأثره في النفوس والضمائر حيث جعلها تحيا بصورة فريدة، لتؤكد على ظاهرة متفردة في تغيير الطبائع وتحويل المعتقدات وإعادة صناعة الأفهام وتدوير مخلفات المادة في النفوس. إن الإسلام يمتاز بحركة خلاقة إبداعية جعلت من الحياة المادية هدفا أساسيا له ليحولها إلى صورة غير معهودة في كافة النظم التي سبقته أو حتى التي لحقت به، هذا التغيير نتج عن تصور جديد للحياة فلم يقتصر على الجسد بماديته، بل تسامى إلى الروح فهذبها، وجعلها تبحث عن نجاة، من خلال بعث جديد هز الضمائر فأيقظها وحفر بها أساسا جديدا لحياة جديدة، فيحييها من عدم ءلأنه لا يرضى بالترقيع لما سبق حياكته، بل يُفَصِل نفسا جديدة.

إن البناء الجديد المتشعب في خفايا النفس والمغير لذاتها وطبائعها، هو نفسه نافخ الروح في الضمائر، حيث لايمكن تحقيقه لمجرد قولك أنك مسلم أو لانك تقرأ القرآن أو تعرف قواعد التجويد والترتيل، أو تحرك لسانك بذكر ربما لا أثر له على فعلك، إنما يكتمل البناء بالترجمة الحقيقية لمدلولات الآيات وتطبيق الأحكام والسير وفق المنهاج القويم.

الترجمة الحقيقية لمدلولات الآيات والنصوص:
إن حث الاسلام على تغيير النفوس وتمتين بناءها، يدفع الحياة إلى الرقي والتطور والتجدد ولن يتأتى هذا إلا بمسلك واحد: ألا وهو تحويل النص إلى فعل ، وترجمة الحرف إلى واقع، وتفعيل المعنى ليُزاوج العمل، من خلال حركة دائمة مستمرة. ألم يتحول النص في آيات الخمر إلى فعل في نفوس شاربيها؟ فسكبت أنهار الخمر في المدينة عند الامتثال للتكليف. ألم تترجم حروف آيات الحجاب لتتحول لواقع؟ يلمسه من يسير في شوارع المدينة عند رؤية نساء الصحابة وقد شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ بها، ألم يٌعَمق المعنى ويُزاوِج العمل في نفوس أهل المدينة عند استقبالهم ومؤاخاتهم لإخوانهم من المهاجرين من مكة؟ ألم يستمر التطبيق العملي والترجمة المثمرة في قلوب المجاهدين وقت ساعة العسرة وفي الدعوة لتجهيز الجيش عند حربهم ضد الروم؟ حتى أخرجهم من شح النفس إلى كرم ذاتي عجيب. كل هذه النماذج كان هدفها  محو البناء السابق وتمزيق الثوبِ البالي نحو بناء جديد، ليرتدي كل منهم ما حاكته له الفضيلة من ثوب عز وافتخار، طامعين في استبدال السيء السابق بحَسَنٍ قادمٍ ؛ ففي حديث أبي سعيد والذي ذكره البخاري في لفظ: إذا أسلم العبد فحَسُن إسلامُه يكفّر الله عنه كل سيئة كان زَلَفَها.

إن التجربة في بعث الإسلام لحياة جديدة ليؤكد على خروج النفس برصيد جديد ومتانة خلق فريدة بعد أن وصلت ماديتها القاتلة إلى حد خرب لتتشابه فيه صورتها بما كانت عليه قبل وجود المنهج الراشد وقبل البعث الإسلامي للحياة الجديدة، لتتجسد صورة الخراب في أفعال الإنسان والتي وصلت في بشاعتها إلى حد بهيمي عفن، لتستمر البهيمية غالبة حتى تظهر رسالة النفس “عفوا لقد نفد رصيدكم من الانسانية”  فهل من دعوة صريحة ينادي بها بعضنا على بعض ؟ لنعيد للنفس حُسنَ الطباع ،ورقة الأحساس، وصحوة الضمير.

إن منهج التغيير وترجمة المدلولات لم يكن حدثا عابرا في حقبة زمنية سابقة، بل هو مستمر يقترب كل يوم منه أناس كثر، مما عفى الله عنهم، ليشهدوا جميعا فعل هذا الدين العجيب والذي أخرج ماديتهم من النفوس وغرس قيما وروحا جديدة لم تكن على بالهم ولم يستشعروا حلاوتها من قبل ،فتحولت المعاني لحركة، والآيات لفعل، والحروف لعمل، وكل ذلك مبعثه صحوة الضمير وحلاوة الروح.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محسن الكومي

كاتب ومستشار تدريب ،خريج كلية تربية93 ، خريج كلية الحقوق2000 - دبلوم صياغة العقود - ماجستير ادارة اعمال - ماجستير ثقافة اسلامية - دكتوراة مهنية في الموارد البشرية
زر الذهاب إلى الأعلى