سياسة وتاريخ

عظام إنسان (بيكين) القديم المفقودة .. أين هي؟

إنسان (بيكين) القديم .. سَبق أن قرأت في أحد الكتب؛ قصة استكشاف جمجمة وعظام أقدم إنسان عمر الأرض؛ في أزمنة سحيقة بـِـ(الصين)، وظللت أستحضرها؛ لأن لها بداية ولم تجد لها نهاية على الأقل في ذلك الوقت؛ ليس المثير فيما اهتُدي إليه من لُقية علمية ضاربة في القدم؛ وإنما ذلك في فُقدانها.

فيظل السؤال: هل ضاعت تلك الموجودات من عظام الإنسان القديم وللأبد؟

لم يصل إلينا خبر العثور عليها إلى حدود كتابة هذا النص، وحسب ما في علم الكاتب ليست هي الشيء القديم، وذو أهمية تاريخية أو علمية أو فنية؛ الذي فُقد أو سُرق؛ وقد ضاعت عظام إنسان (بيكين) القديم تلك؛ في ظروف حرب؛ كما تختفي محفوظات المتاحف، وما احتوته خزانات الكتب من ذخائر علمية، وما جادت به قريحة الأدباء والشعراء، وما تحفظ الخزائن من النفيس من المعادن واللآلئ والمجوهرات؛ في أزمُن الاقتتال والغزوات العسكرية والاجتياحات الكاسحة؛ فكل ما له قيمة مالية وعلمية تمتد إليه الأيدي في أي زمان ومكان، فحكاية ضياع جمجمة إنسان (بيكين) الواقعية أندر ما قرأت؛ فإذا كانت أجزاء من هيكل ذلك الإنسان الأول المكتشفة؛ قد فُقِدت على الإطلاق؛ فقد أفلتت أيضًا -وبذلك- من أيدي العلماء عينة إحدى حلقات تطور الإنسان، والذين يظلون آسري نظرية التطور (الداروينية)، وما تزال الحلقة مفقودة بين الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى في أحسن تقويم، وعلم آدم عليه السلام -جد البشر- الأسماء كلها؛ وبين استنتاجات نظرية تطور هيئات الإنسان؛ من الشبيه بالقرد إلى ما استقام عليه الإنسان الحالي، والانتخاب الطبيعي، والبقاء للأصلح.

فما هي قصة استكشاف عظام إنسان (بيكين) القديم؟

إن من درس جيولوجية الأرض وخصائصها المعدنية، وما يميز أزمنتها وطبقاتها الرسوبية، ومن بحث في تاريخ الإنسان القديم؛ هم من يهتدون إلى الأمكنة والمواطن التي من المحتمل أن توجد فيها بقايا عظام الإنسان الأول وأدوات عيشه؛ الذي عاش منذ مئات الألوف من السنين؛ فهي ضفاف الأنهار القديمة والبحيرات المنقرضة مياهها، والأودية والكهوف، وقد يَسبق هؤلاء الخبراء أحدُ المرتادين لتلك الأمكنة من رُعاة ورُحل؛ فيعثر وبالصدفة على البعض من تلك البقايا؛ فتُنظّم على الأثر أعمال التنقيب؛ ضربًا بالـمَالجَ (الـمِسجّة) في التراب المترسب، والكشف عن مما هو مطمور تحت تراكمات الأتربة والحجارة، التي حملتها السيول المائية خلال مئات الآلاف من السنين.

فكان أول من لفت انتباهه غِنى تلك المناطق ذات التضاريس التلية؛ القريبة من عاصمة الصين (بيكين) ببقايا الإنسان القديم؛ هو أحد الخبراء الجيولوجيين الغربيين؛ سويدي الجنسية هو الدكتور (جوهان اندرسون كونار، 1874م-1960م، Johan Gunnar Andersson)؛ كانت حكومة الصين قد استقدمته في عام 1914م؛ لخبرته بالمناجم؛ فقام بحفريات؛ حيث عثر في سنة 1918م على عظام بشرية وحيوانية، وبقايا نباتات وآثار لموقد ناري، وفي عام 1921م لم يكن بمفرده؛ فقد رافقه في عمله كل من عالم المستحاثات السويدي (أوطو زدانسكي، Otto Zdansky)، و(ولتر ويليز جرانجر، 1872م-1941م، Walter Willis Granger) من الولايات المتحدة الأمريكية؛ هذا الأخير كان يعمل في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة نيويورك؛ اِستطاع الأول أن يعثر على ضِرسين للإنسان العاقل القديم؛ فكان لما اكتشفه أهمية تاريخية وعلمية.

أطلع الجيولوجي السويدي (أندرسون) أحدَ علماء الإنسانيات على الضرسين وهو الأستاذ (دافيدسون بلاكَ، 1884م-1934م، Davidson Black)؛ الذي رأى في أنهما لإنسان قديم جدًا؛ فأشرف على مشروع الحفر عن بقايا الإنسان، وعلى إدارته منذ ذلك الحين؛ في مكان يُسمى بـِ(زهوكوديان، Zhoukoudian)؛ يقع على بعد اثنين وأربعين كيلومترًا؛ إلى الجنوب الغربي من (بيكين).

فمن هو (دافيدسون بلاك) هذا الذي لاحظ بخبرته أن هناك دليل مادي على وجود إنسان قديم جدا لم يُكتشف من قبل؟

ما كُتب عنه أنه ولد بـِ(تورنتو، Toronto)؛ إحدى مدن بلاد كندا؛ في 25 يوليوز عام 1884م. درس علم التشريح بإنجلترا؛ فكان إلى جانب هذا أنتروبولوجيا وأركيولوجيا؛ ما دام قد اهتم بحضارة الإنسان الأول، والتنقيب عن ما يمكن أن يتخلف عنه.

وما سبب وجوده في الصين؟

الجواب هو أنه كان يُدرّس علم التشريح في جامعة (بيكين).

يُضاف إلى لائحة من مهدوا إلى اكتشاف عظام إنسان (بيكين)؛ عالم سويدي آخر؛ كان لايزال في سن الشباب إسمه (بولين، Bohlin)؛ كلفه (بلاكَ) برئاسة أعمال التنقيب؛ كانت نتيجة حفرياته هي الكشف عن كهوف وسراديب تحت الأرض، ثم تُوّج البحث بأن عثر (بولين) على سنّ للإنسان القديم؛ فسعى إلى (بلاكَ) الذي كان يُقيم بالعاصمة (بيكين)؛ مُطلعا إيّاه على هذه السن؛ توصل بها (بلاك) إلى وجود نوع آخر من الإنسان القديم أعطى له إسم: (Sinanthropus Pekinensis)، ومما عُثر عليه أيضا نصف أيمن من فك به ثلاث أسنان وعظام جمجمة.

كان آخر أسماء هؤلاء العلماء هو العالم الصيني الدكتور (باي- ون- شنج، 1904م-1982م، Pie Wen zhong)، وهو الذي عثر على جمجمة سالمة لإنسان (بيكين) القديم، لما سيُعرف فيما بعد بِـ(إنسان بيكين، L’homme de Pékin)؛ وكان القدر أبى إلا أن يكون من يهتدي إلى هذا الاكتشاف إلا أحد أبناء الصين؛ وفي غياب (بولين) الذي كان يقوم آنذاك برحلة إلى تركستان، ثم أن هناك مصادفة وهي أن ما يُحفر عنه ويُزال عنه التراب هي عظام موتى تُقدّس من طرف الصينيين، وكان يُحرّم على من يحاول النّبش عليها.

لم يكلّ (باي شنج)، ذو الهمة العالية كما شُهد له، أو يفقد الأمل؛ فجدّ وثابر في موقع التنقيب؛ حتى عثر على كهفين، ولوجودهما في أخدود عميق؛ فقد أُدلي -كما رُوي- من طرف أفراد من فريق البحث بحبال، وقد آذنت الشمس بالمغيب؛ مما يعني أن الليل سيُخفي الممرات والمنافذ؛ فأسرع (باي شنج) إلى الكهف الثاني ليعثر في داخله على جمجمة كاملة للإنسان القديم؛ هذا النوع الذي عاش ببلاد الصين منذ أكثر من نصف مليون سنة؛ فحُمِل الخبر في وقت من مساء ذلك اليوم إلى خبير الحفريات (بلاكَ)؛ الذي وامتثالًا للأعراف الأكاديمية والكشوف العلمية، وفي اجتماع أعضاء الجمعية الجيولوجية الصينية؛ أنبأ العالم باكتشاف عظام إنسان (بيكين) القديم في 28 دجنبر من سنة 1929م.

كان (بلاكَ) مُصابا بمرض القلب؛ فانتابته أزمة قلبية وهو في سفح المرتفع الذي يقع فيه مكان الحفريات؛ فحدث أن عاجلته المنية في عام 1934م؛ فخَلَفَه على رأس جماعة التنقيب وإدارة عمليات الحفر الدكتور (فرانز فيدنرانج، Franz Weidenreich)؛ وبذلك استمر النبش في قبور تلك الناحية من العاصمة بيكين مدة عشرين عامًا؛ فوصل عدد الأفراد المنتمين إلى أصلاب إنسان (بيكين) القديم الذين عُثر على عظامهم إلى أربعين نفرًا؛ إلى حدود سنة 1941م.

وما المثير في هذه القصة هو ما سيأتي سرده…

اِندلعت نيران الحرب العالمية الثانية في فاتح شتنبر 1939م، واتسع ميدانها؛ فدارت رحاها في القارات وفي البحار والمحيطات. دخلت اليابان الحرب في صف دول المحور (ألمانيا وإيطاليا)، ودخلت الولايات المتحدة الأمريكية؛ بسبب المصالح الاقتصادية التي تربطها بفرنسا وانجلترا ساحة الوغى إلى جانب دول الحلفاء (فرنسا وانجلترا واستراليا وكندا…الخ)؛ فتصادمت القوتان البحريتان اليابان وأمريكا؛ في مجال المحيط الهادئ المائي؛ فحدث أن باغت طيران اليابان العسكري جنود بحرية أمريكا العسكرية في جزيرة (بيرل هاربر، Pearl Harbour)؛ في عطلة نهاية الأسبوع؛ في صباح يوم الأحد 7 شتنبر 1941م؛ ولم يكن من المستبعد أن تغزو اليابان الصين، ومما يُخطّط له في خضمّ هذه الحرب الدائرة هو ما سيُخلّفه دخول الجيش الياباني، وما يمكن أن يُنهب ويُسرق من ذخائر ونفائس وتحف وموجودات، وحفريات أثرية؛ فكان الأمريكي (فرانز فيدنرانج) آخر الموكلين بمهمة إدارة مشروع التنقيب عن بقايا إنسان الصين القديم كما عرفنا؛ قد غادر الصين إلى بلاده، وأوصى عالم الحفريات الصيني (باي شنج) بالمحافظة على ما تجمع من البقايا الأثرية من العظام؛ خلال مدة ثلاثين سنة، والحيلولة دون وقوعها في أيدي الجيش الياباني؛ فخُطّط لنقل تلك اللُّقى من العظام خارج الصين؛ إلى أين؟ إلى أمريكا؛ وكأن ما على سطح الأرض وما تحتها، وما في أعماق البحار والمحيطات ملكا لهذه الدولة العاتية، وكانت هذه الفكرة غير سليمة؛ أن تُنقل مثل تلك الثروة العلمية؛ تحت أمر الغالب والمسيطر والقاهر، خارج بلد وبيئة إنسان (بيكين) القديم، فكانت النتيجة مُحبطة ومقلقة إلى حد بعيد.

أُحيطت العملية بسرية؛ بالاتفاق مع العالم الصيني (باي شنج) وقائد القوات الأمريكية (وليام اشرست)؛ التي كانت حينذاك بالتراب الصيني؛ على أن تُنقل الصناديق المحملة بالعظام الآدمية بالقطار الحامل للبضائع؛ والذي سيُغادر (بيكين) في فجر يوم 5 دجنبر 1941م، ويعبر بلاد (منشوريا)؛ لتصل الشِّحنة إلى مرسى صغير صيني يُطلق عليه اسم (شين وانج تو)؛ تكون الباخرة الأمريكية (بريزيندنت هاريسون، Président Harrison) راسية على رصيفه؛ لتُبحر بتلك الصناديق إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إلا أن الرياح هبّت في غير هذا الاتجاه؛ وكما قيل أن الجيش الياباني البري استولى على قطار البضائع؛ ليُجهل مصير مآل عظام إنسان (بيكين) القديم، وتم أسر القائد الكولونيل (اشرست) وأفراد فرقته الذين بلغ عددهم مائتان وخمسون؛ ليُجهل هم أيضًا مصيرهم؛ فاختلفت الروايات…

تقول إحداها أن اليابانيين نقلوا صناديق العظام إلى أحد المراكب الحربية؛ أُغرق في خضم المعارك الحربية، وأخرى تقول أن اليابانيين ألقوا بالصناديق فيما ألقوا من علب الطعام الأمريكي التي لم يكن مرغوبًا فيها، والرواية الثالثة تقول أن اليابانيين؛ وعندما استولوا على القطار الذي كان يشحن البضاعة الأثرية؛ اكتشفوا الصناديق؛ وقد أدركوا أهميتها التاريخية والعلمية.

إن الخوض في موضوع ضياع تلك العظام البشرية القديمة، وفيما يقوده إلى تخمينات تسيطر على المتأمل للحكاية والمتفكر فيها لا نفع له.

أهي محفوظة في مكان ما؟ وهذا فعل مُستحب؛ سواء كانت كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في اليابان، أو في بلد آخر. أهي ضمن حمولة مركب غارقة في أعماق مياه بحر؟ أكان لدى العامة من الناس وعي بمدى أهميتها في ذلك العهد؛ إذا ما وقعت في يدي أحد؟

أنكون على صواب إذا قلنا بأنه لم يكن أشد اهتمامًا بالبقايا العظمية في ذلك التاريخ غير الأوساط الأكاديمية الغربية، ومديري متاحف التاريخ الطبيعي المقررين والمنفذين؟

ألا تخرج تلك البقايا عن دائرة ما نُهِب واستُحوذ عليه بشتى الوسائل؛ من طرف الدول القوية التي امتدت توسعاتها الجغرافية في بلدان ما وراء البحار؟ وكانت مؤسساتها الجامعية ومراكز البحث العلمي على وعي مما يُعثر عليه في مناطق العالم؛ من مُستحاثات حيوانية ونباتية وبقايا الإنسان الأول وتركاته، التي تخلفت عنه على امتداد العصور والأزمنة، وفي مختلف مناطق العالم.

لن يتأخر فيما أوتي خبرة في التحقيق في اختفاء الأشياء أن يطرح سؤالا: أكانت فعلا صناديق العظام في القطار المغادر لبيكين، أم في وسيلة نقل أخرى؟ خصوصًا وأنه كان مُخططًا أن تُنقل خارج الصين؟

قيل أن الأمريكيين لما احتلوا اليابان عقب هزيمة هذه الأخيرة واستسلامها في 2 شتنبر 1945م؛ بحثوا في أرجاء اليابان دون أن يعثروا على عظام إنسان (بيكين) القديم.

فما نستعبر به هو أن ما يُحفظ في متاحف الآثار وما يُنقل منه؛ مُعرّض للسرقة والسطو والإهمال والضياع؛ فما يجب على بلادنا هو أن تفكر في أكثر من وسيلة أو طريقة لحماية تراثها المادي؛ فللدّهر نوائبُه.

اقرأ أيضًا: كيف عاش الناس في العصر الحجري القديم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد القاسمي

حاصل على شهادتين جامعيتين من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، بالرباط (المغرب)، في الجغرافية (1990م), وفي التاريخ من نفس الجامعة (2016م)، يكتب في القصة القصيرة وفي الرواية وفي المقالة، أصدر مجموعتين قصصيتين، ورواية، وكتاب في سيرة مهنية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى