ثقافة و فنون

عصر النهضة الأدبية الحديثة بمصر

لقد بدأ عصر النهضة الأدبية في مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر، ولعل هذه البداية هي ما جعلت بعض المؤرخين والمثقفين يحاولون إلصاق الفضل للحملة الفرنسية على مصر نهايات القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، والحقيقة أن الجيوش المستعمرة لا تأتي بخيرٍ حتى وإن كان ظاهرها مغلف الثقافة والفكر.

لقد استطاع الفرنسيون اللعب بمشاعر المصريين بعد ما لاقوه من عنق المقاومة وشدة البأس؛ فنجدهم يحاولون استمالة بعض رجال الدين عن طريق إعلان نابليون رغبته في اعتناق الإسلام وأنه مؤمن بقلبه، كانت هذه إحدى محاولات نابليون لاستمالة قلوب المصريين تجاههم نظرًا لمعرفة الفرنسيين مدى تعلق المصريين بالدين، أضف إلى ذلك دخولهم مصر بالطباعة والصحافة، وهو ما كان يجهله المصريون آنذاك، لكن إدخال الطابعة إلى مصر لا يمكن اعتباره هدفًا نبيلًا أو حدثًا جللًا في تاريخ الثقافة المصرية؛ لأن فرنسا أدخلتها مصر لأهداف استعمارية؛ بغرض نشر المنشورات والبيانات التحذيرية من التصدي للقوات الفرنسية، فلا يمكن اعتبار جنديٍ مغتصبٍ صانع ثقافة ونهضة!

لقد أتت الطباعة كصناعة مصرية على يد محمد علي، حيث كانت مطبعة بولاق هي أول مطبعةٍ مصريةٍ نشأت عام 1820م، وكان السبب الرئيسي من إنشائها هو توفير احتياجات الحكومة من مستندات وأوراق رسمية وما شابه ذلك، ونستطيع القول بأنه تشابهت أسباب نشأة مطبعة بولاق مع أسباب تواجد المطبعة مع الحملة الفرنسية إلى حد كبير؛ فالاثنان كان غرضهما خدمة دوائر الحكم، إلا أن المطبعة المصرية أخذت منحنًا جديدًا نحو البناء الثقافي عندما طبعت فيها بعض الكتب وكان هذا بداية الانفتاح الثقافي.

ففي عام 1828م شهدت مصر مولد الصحافة، حيث أول صحيفة مصرية وهي صحيفة “الوقائع المصرية”، لكن هذا لا ينفي معرفة أهل مصر لفن الصحافة؛ فقد عرفوه قبل هذا التاريخ بأعوام كثيرة عندما صدرت جريدة المحتل الفرنسي تحت اسم “التنبيه”، كان الفرنسيون يستخدمونها من أجل أهدافهم الاستعمارية، ولبثِ روح اليأس والهوان في قلوب أهل مصر، وكما أشرنا في السابق إلى عدم اعتبار المحتل الفرنسي صانع للثقافة المصرية الحديثة، فلا يمكن اعتبار جريدة “التنبيه” هي المؤسس لفن الصحافة في مصر.

كان لصدور جريدة الوقائع المصرية بنسختها العربية والتركية دورًا هامًا في ازدهار عالم الصحافة وبداية ظهور الصحف المستقلة في مصر، حيث صدرت جريدة “نزهة الأفكار” لـ إبراهيم المويلحي ومحمد عثمان جلال عام 1869، ثم جريدة الأهرام للأخوين بشارة وسليم تقلا عام 1875م، ثم جريدة المقتطف عام 1875م لنفس الأخوين، كذلك صدرت عدة جرائد أخرى في خضم تلك الفترة، كجريدة المقطم والمؤيد والعروة الوثقى.. إلخ

ساهم الازدهار في حركة الطباعة المصرية في خلق مناخٍ ثقافيٍ متميز، حيث ظهرت الصحف والكتب المطبوعة، مما عمل على ظهور الحركات التجديدية في الشعر نهايات القرن التاسع العشر، ودخول أنواع أدبية جديدة على البيئة العربية، فكانت الصحف تطالع قرائَها بالفنون القصصية كفن القصة القصيرة كذلك الكتابة المسرحية،وقد ساهمت هذه الفنون في التوغل الثقافي داخل المجتمع المصري حتى وصل إلى أوساط العامة.

وفي خضم هذا التطور ظهرت فنون جديدة على البيئة الأدبية في مصر آنذاك، فكان فن المقالة والذي وجد ضالته في عالم الصحافة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن فن المقال كان موجودًا في البيئة العربية قديمًا، ولكن ليس على شكله هذا المتعارف عليه الآن، فكان متواجدًا كفنٍ نثريٍ ضمن فنون المقامة والخطابة والرسائل وغيرها من الفنون النثرية، لكن الشكل الحديث لفن المقال ترجع نشأته إلى أوروبا وبالتحديد فرنسا مطلع القرن السادس عشر على يد مونتي، والذي ما لبِثَ أن انتقل هذا الفن إلى إنجلترا على يد فرانسيس بيكون.

ساهم هذا المتسع الفكري في ازدهار فن المقال، فنجد كبار الكتاب يتصدون للمقال ويبدعون فيه، ومع المتغيرات السياسية في خريطة المنطقة العربية وظهور الحركات الاستعمارية وتوسعها داخل البلاد العربية، كان المقال هو سلاح المثقفين في التصدي له كـ عبد الرحمن الكواكبي، فكان المقال سلاح المقاومة في بث روح الحماسة بين الشعب.

تبع هذا ظهور فنون أدبية أخرى كفن القصة الحديثة “القصة القصيرة” والتي بدأت في الانتشار بشكل كبير، فظهرت أعمال قصصية كأعمال “تخليص الإبريز في تلخيص باريس” و”حديث عيسى بن هشام” للمويلحي، وفي خضم تلك الفترة ظهرت فنون الرواية “القصة الطويلة”، وكانت بدايتها على يد محمد حسين هيكل.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق