ثقافة وفنون

عصرنةُ اللغةِ وتجنُّبُ التقعُّر (الدكتور محمد عصام محو أنموذجًا)

تَباهى العربُ منذ قديم الزمانِ بفصاحةِ اللسانِ وبلاغةِ الكلمة، ولم تكنِ الفروسيةُ يومًا تكتملُ للفارسِ معالمها بحدةِ سيفهِ ورباطةِ جأشهِ حتى يجمعَ معهما قوةَ الكلمة وفصاحةَ الحرف.

أما في زماننا فيعتبرُ التحدثُ باللغة العربيةِ الفصيحةِ أمرًا ليسَ بالسهلِ بعد أن غزت اللهجاتُ العاميةُ واللغاتُ الأجنبيةُ ألسنةَ أبناءِ لغةِ الضاد.

حتى زمانٍ ليسَ بالبعيدِ كان يعتبرُ الإتيانُ بغيرِ اللغةِ العربية الفصيحة والصحيحة عيبًا في المناسباتِ أو المحاضرات أو الحوارات الإعلامية والثقافية، أما اليوم فصارَ التحدثُ بها أمرًا مستغربًا أحيانًا أو مفخرةً في أحيانٍ أخرى، لكنهُ بالحالتين أمرٌ صعبُ المنال على كلِّ راغب! ففضلًا عن حاجةِ المُتكلمِ بها صحيحة منقحةً من أي لحنٍ لثقافةٍ لغويةٍ واهتمامٍ شخصي فإنَّ مجردَ الحديثِ فيها دونَ أي مُدخلاتٍ عامية غدا بمثابةٍ تحليقٍ خارجَ السِّرب ومجابهةً لشلَّالَي اللهجاتِ واللغاتِ المُختلفة.

وسطَ كلِّ تلكَ الأفكارِ نلحظُ نجومًا حملوا رايتها وأصرُّوا على الحفاظِ عليها والتكلمِ بها، ولكن بأسلوبٍ “عصري”! أذكرُ هنا أنموذجَ هذا المقالِ البحثي والمذكورُ بعنوانهِ “الدكتور محمد عصام محو “.

“العصريةُ”

العصريةُ والعصرنةُ المقصودةُ أعلاهُ تكمنُ في التحدثِ بالعربيةِ الصحيحةِ دونَ تقعُّرٍ بحروفها! ودونَ خلطٍ بينَ ما تجبُ مراعاتهُ في التجويدِ واللفظِ القرآني وبينَ ما لا يجبُ فيهِ ذلك من محاضراتٍ عامة أو دروسٍ علمية أو لقاءات عادية.

التقعرُ بحسبِ علماءِ اللغةِ هو  التكلفُ أو التصنعُ في النطقِ أو الكلامِ أو التمسكُ بألفاظٍ مهجورة جنى عليها الدهرُ للتظاهرِ بالتمكنِ والمعرفة! أ لأنه يؤذي السَّــامعَ ويبعدهُ بدلَ أن يقرِّبه، فقد ألِفَتِ الأنفسُ حبَّ التبسُّطِ لها، وغدتِ العفويةُ لغةَ الشبابِ والعصر في زمنِ “السوشيال ميديا” وقالوا قديمًا: «يُكره التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول، فكل ذلك من التكلف المذموم، وكذلك التحري في دقائق الإعراب خصوصًا خلالَ مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته كلامًا يفهمه صاحبه ولا يستثقله وذكرَ ذلكَ الإمام أبو حامد الغزالي (١١١١م) في بديعتهِ (آفات اللسان):  «التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع والفصاحة … من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت».

الأنموذجُ الحي:

يجيد الدكتور محمد عصام محو عبرَ الكثيرِ من فيديوهاته “وهو ممن يتابعهم الملايين” القدرةَ على الحديثِ بعربيةٍ سهلةٍ تنسدلُ من لسانهِ شلالًا عذبًا لا روَثَ فيهِ ولا لحن، سريعةً وسهلةً على الأذُن، إذا لا هيَ تتَّصفُ بالبطيئةِ المُملة ولا هيَ تُنعتُ بالسريعةِ المُتعبة.

أثبتَ “محو” عمليًا قدرةَ العربية الفصحى على التمحورِ بطبقاتِ الصوتِ المختلفة، فلا صوتًا واحدًا يضبطُ الكلامَ بها ولا نغمةً واحدةً تأسرُ الإتيانَ بمعانيها فهيَ مرنةٌ بما يكفي ليُمازحَ جمهورهُ بها ويثري أذهانهم وعقولهم بمعلوماتٍ حياتيةٍ دونَ أن يشعرهم بأنهم يتعلمون أو عادوا إلى مقاعدِ الدراسة!

يثبتُ المذكور” قدرةَ لغتهِ بما تبقَّى فيها من ألفاظٍ مُتداولة على إنشاءِ جميعِ ما يحتاجهُ من معانٍ يسوقهُا لجمهورهِ بساعات حيثُ تكادُ لا تسمعُ منه كلمةً صعبةً تحتاجُ لمعجم ولا مُركَّبًا معقدًا يحتاجُ إلى شرح.

“اللغة الفصحى لا تحتاجُ إلى وجهٍ عابس وطبقةٍ صارخة”! هذا الكلامُ يدركُ أهميتهُ من ابتُلي بسماعِ بعضِ الخطباءِ الذين ترتبطُ الفصحى عندهم باحمرارٍ للوجهِ ورفعٍ للطبقةِ الصوتية فيما ترى “محمد عصام” يحكيها بابتسامةٍ لا تفارقُ وجهه وإن رفعَ الطبقةَ فيرفعها في مكانٍ يستحقُّ التأكيدَ أو التنبيه.

محمد عصام محو في إحدا محاضراته عصرنةُ اللغةِ محمد عصام محو

“ليسَ هو الوحيد”

النماذجُ المُشرفةُ في عالمنا العربيٍ لمتحدثينَ متميزين ليست بالقليلة فذاكَ الكبير “مروان الصوَّاف” الذي يعتبرُ من رعيلِ الإعلاميين العربِ القُدامى يحكيها وما زالَ بثقةٍ وهدوء، وهناكَ من جعلها جميلةً بكتاباته مثلَ “أدهم شرقاوي” و”أحمد خيري العمري” وهناكَ من يتكلمها برشاقةٍ مثلَ “أحمد فاخوري” وغيرهم كثير.

أخيرًا تثبت اللغةُ العربية عامًا بعدَ عام قدرتها على إحياءِ نفسها بحُلةٍ جديدة يقبلها الشباب ويتشرف فيها كلُّ مضمونٍ تُحكى فيه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى