سياسة وتاريخ

عصا الحاكم أم حمايةً للمحكومين.. لحساب مَن تُشرع القوانين؟

في كثير من الأحيان تقال جملة (نحن في دولة قانون)، ولستُ بذلك أشير إلى بلد بعينها ولكنني أشير إلى هذه العبارة التي تتكرر على مسامعنا في أي بلد كنا؛ فهي عبارة تنبئ عن نظامٍ قائمٍ يحترمه الجميع مهما كان موقعه أو مركزه؛ فلا تستثني التشريعات عند سن القوانين أحدًا إلا إذا كان هناك موجب موضوعي للاستثناء.

المفترض أن حياة البشر على الأرض وتفاصيل هذه الحياة متشعبة وذات تفاصيل كثيرة؛ وهذه التفاصيل تستوجب علاقات ثنائية أو متعددة الأطراف، هذه العلاقات والمعاملات تحتاج إلى قواعد عامة – وأحيانًا أخرى تفصيلية – لضبط النظام العام وحسن قيام هذه العلاقات وما يتمخض عنها من نتائج أيًا كانت طبيعتها؛ فترك الأمور تسير بصورة عشوائية قد يؤدي بها إلى إلحاق الأضرار بالأطراف في ذات العلاقة وأحيانًا كثيرة غيرهم ممن يتأثرون من قريبٍ أو من بعيدٍ بهذه العلاقة ونتائجها؛ وبالتالي دفعت الحاجة إلى سن القوانين المنظمة لشؤون الأفراد.

وهذا ما شرعه الخالق -سبحانه وتعالى- على عباده عندما سن التشريعات السماوية المفردة في الكتب المنزلة من عنده تبارك وتعالى؛ فكانت هذه التشريعات هي النبراس والنهج الذي يقتفي أثره الرسول المبعوث من رب العالمين؛ وخاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي أنزل الله تعالى عليه القرآن الكريم ليكون دستورًا واقعيًا قابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان؛ ولا يملك الرسول الكريم – على الرغم من كونه مؤيدًا بالوحي – أن يحيد عن هذا الدستور أو ينسخ منه ما يشاء.

المشرع ذاته وهو الله تبارك وتعالى هو الذي ينسخ – أي يلغي – من القرآن ما يشاء وفق رؤيته التي تسع الكون وما فيه ومن فيه؛ لذلك اتسم القرآن بالسمو “ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها”؛ وما كان من الرسول إلا أن يبيّن للناس ما نزل إليهم فكانت سنته – على اختلاف درجاتها – قانونًا يسير المسلمون عليه – وغيرهم لالتقائه بمصلحتهم – ومن هنا جاءت السنة النبوية التي لا يمكنها أن تخالف نصًا قرآنيًا غير منسوخ؛ ثم تأتي الاجتهادات التفسيرية والتي تدور كلها حول القرآن والسنة.

وما سبق قد يصعب تحققه في دستور وقوانين البشر نظرًا لانتفاء السمو البيّن في القرآن الكريم بحسبانه كتابًا سماويًا وضعه وأنزله من لا هوى له ولا غرض ولن يتأثر بتطبيقه أو عدمه؛ فهو لمصلحة الناس دون شك وبدون جدال؛ أما سن القوانين من التشريعات الوضعية من صنع البشر واختلاف الأفهام والمصالح والرغبات قد يدفع إلى وضع قواعد قانونية مشوهة أو متعارضة أو متناقضة.

والدستور الوضعي تضعه الجمعية التأسيسية التي ينتخبها الشعب لهذا الغرض فقط – على الرغم من عدم تحقيق ذلك بصورة مطلقة – ثم تصاغ مواد الدستور لتشمل جوانب الحياة وتكون عامة في أغلبها إلا ما فصّله المشرع الدستوري لأغراض الإحكام؛ ثم يعرض مشروع الدستور على الشعب ليُدلي برأيه فيه – غالبًا الشعوب لا تدرك أهمية صوتهم في الاستفتاء على الدستور – وإذا وافق الشعب عليه أضحى دستورًا للبلاد ولا يمكن المساس به أو الاقتراب إلى مواده من قريب أو من بعيد؛ وتشرع القوانين وفقًا للدستور الموضوع ولا يملك المشرع العدول عن نصوص الدستور أو تجاهل تطبيقها.

والذي يدفع الناس إلى احترام القانون والتزام قواعده أن تطمئن نفوسهم إلى مشرعيهم وكذلك أن يتضح جليًا تطبيق هذا القانون على الجميع دون استثناء؛ نظرًا لأن استثناء أحد لاعتبارات شخصية لهو الباب الواسع والمنفذ الرئيسي لتسرب الفساد ومن ثم إهدار قيمة القواعد القانونية وسعي الباقين إلى التنصل من هذه القواعد والتحايل عليها؛ ويلاحظ أن إصباغ صفة على البعض بحكم وظائفهم أو مهامهم بأنهم مستثنون من بعض القواعد المطبقة على عموم الشعب؛ أمر يفتح بابًا بل أبوابًا للفساد لا يمكن تداركها إلا عندما “تقع الفأس على الرأس”.

وختامًا؛ اختيار مشرعين على قدر من الأمانة والكفاءة والمسئولية من أجل سن القوانين وصياغة قواعد قانونية عادلة؛ ثم تحري القائمين على تطبيق هذه القوانين بحيث لا يتسرب إليهم أنهم أصحاب الحق في تطبيقها على البعض دون الآخر؛ ثم الرقابة على المشرعين والقائمين بالتطبيق بسهولة ويسر؛ كلها أمور تدفع إلى أن تكون الدولة دولة قانون.

اقرأ أيضًا: المغاربة يفقدون وظائفهم والقانون عاجز أمام «تجار الأزمة»

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق