سياسة و تاريخ

عصابية الإعلام وأفق المهنة في المسار الثوري للمجتمع

هاجم الإعلامي الجزائري القدير سعد بوعقبة الموقف الإعلامي بالجزائر حيال الحراك الثوري المستمر منذ تسعة أشهر الذي يروم تحرير السيادة الشعبية على سلطة ومقدرات الأمة بسلاح الوعي السلمي والعميق الذي اكتسبه الشعب من خلال تجاربه وتثاقفه، ذلك الموقف التجاري غير المهني بالمرة من خلال خضوع ملاك القنوات والصحف للضغوط المالية والسياسية من الجهات التي تقاوم المقاومة الحراكية الثورية وتريد العودة بالبلد إلى زمن الوصاية على الشعب وكبح جماح إرادته في التغيير والتحرير والتحرر من كل أشكال الممارسات التي طبعت علاقة الحاكم بالمحكوم مذ استقلت البلاد قبل ستة عقود.

سعد بوعقبة الصحفي المعروف بمناكفته للنظام مذ تم توقيف المسار الانتخابي ودخول البلاد في دوامة الحرب الأهلية التي دامت لعشرية كاملة، اعتبر أن الإعلام في الجزائر هو الآن طيع عصابات النظام ولا يمت أداؤه الرديء ولا بأي شكل للمهنية والاحترافية والمسؤولية الأخلاقية لوظيفة وسلطة الإعلام التي بها يستكمل البلد مهمة فرض الرقابة الدائمة على مقدراته ومؤسساته.

ما المفهوم الذي تطورت على شاكلته التعددية العربية؟ وكيف كف الإعلام بالجزائر عن أن يمارس حقا وظيفة الإعلام والتبيان وليس فقط الإعلان وتلاوة البيان؟ لماذا ارتكست تجربة الإعلام الخاص التي كانت رائدة في المنطقة، فقط بعد ثلاث سنوات من التجربة الصحفية المتعددة والخاصة؟

في التعددية العربية

تجدر بنا هنا الإشارة إلى أنه إذا كانت الأحادية تشمل بعتمِها وتعتيمها لكل القطاعات، فعلى النقيض منها وفقا لمنطق التضاد المفهومي واللغوي حتى، فإن التعددية تشمل بانفتاحها وتفتحها كل القطاعات ويصبح المستور والمستتر في الأحادية مكشوفا في التعددية، لكن مهلا قد تغدو التعددية أحادية حين تقف وظيفيا عند حد اللغة والخطاب دون الممارسة، فكل النظم العربية غير الاشتراكية عاشت زعما في التعددية الحزبية والنقابية، فهل عاشت بالضرورة في الحرية والعدل والسيادة الشعبية؟

الإجابة طبعا لا، وآية ذلك أن ثورات الشعوب في ربيعها التحرري الموشوم، شملت الأنظمة التعددية مثلما شملت الأنظمة الأحادية، بل إن أنظمة “التعدد ـ الأحادي” كانت أبشع بطشا وتنكيلا بالحرية في الرأي والمبادرة، باعتبار أن أنظمة الأحادية الشمولية واضحة صادحة بالعداء للموقف والسلوك من مبدأ التعدد فلسفة وعملا، وإلا ففيمَ يختلف نظام السيسي عن مصر عن نظيره في سوريا الأسد؟

التعدي على التعددية

هي إذن ثقافة دولة تسود المنطقة العربية استحال إليها النظام الجزائري وبقوة بعد أن لاحت تباشير بعدم الوقوع فيها في أعقاب سقوط الأحادية بعيد أحداث أكتوبر 1988، حيث سقطت القداسة السياسية والتاريخية للنظام في الخطاب النقدي الإعلامي، بعدما كانت قد سقطت قبل ذلك بزمن في خطاب الشارع، ما يعني أن الشارع سبق المثقف والممتهن للمعرفة والثقافة في الصدع بالموقف، فكان نظم محل خطابية ساخرة وسخرية خطابية عامية وعمومية واسعة في مجتمع العامة عنه في مجتمع الخاصة (النخب)، قد تكون الحالة هاته هي من مهد لثورة اقتلاع الأحادية من الفكر والممارسة السياسية بالبلاد.

لكن النظام المتكئ على عون القوى الخارجية التي يخدم مصالحها، بدد كل تلك الآمال التي لاحت والتحق بركب العرب في ممارسة “التعدد ـ الأحادي” في السياسة كما في الإعلام عبر تعمده إغراق سوقيهما بقوى الموالاة من أحزاب وصحف وقنوات تكدح لكشف سوءة المعارضة وإظهار بل واختلاق محاسن للنظام، لقاء ثمن بخس في أعراف وقيم المهنة دون الحديث عن قيم الوطنية.

بين وظيفة النضال ونضال الوظيفة!

لكن ليس ما تهم الإشارة إليه هنا، هو كشف المكشوف لأن ذلك سيوقعنا في لعبة وصف الموصوف الذي يمارسه أصلا هذا الإعلام المعدوم المكلوم الذي ابتلي به العرب في دابر زمنهم، بل حاجتنا في إثارة هذا الموضوع من خلال هذا المقال هو تفكيك خيال النظام في إدارة العقل الجمعي وإبراز مدى تخلفه وعدم قدرته على تجديد وسائله في إستراتيجيته الثابتة الرامية إلى إبقاء هيمنته على المجتمع وعيا وممارسة.

فإذا كان هو قد استطاع أن يقلب المهنة (الإعلامية) إلى نضال ـ غير وطني ـ يوم فرض التستر على الحقيقة بعدم الكلام عن نزيف الدم إلا بما يسمح به هو من مقدار ومن صيغ، بحجة الظرف الوطني في أيام الحرب الأهلية التي فرضت على الشعب فرضا للحيلولة دون تحقيق التغيير والانتقال من نظام الشرعية الثورية إلى نظام ثورة الشرعية.

كما واستطاع في خضم تلك الحرب أن يختلق مؤسسات خاصة صحفية تتمعش على الميزانية العامة بطرق مباشرة وغير مباشرة، تخدم خطابه وتلمع مسلكيته السياسية وسلوكه الأمني، في ظل الخوف من المصير المجهول لكل من يجرؤ على الاعتراض أو المطالبة بفتح التحقيقات والتدقيقات.

إنه فيما تلا ذلك لم يعرف كيف يتعامل بلا بشاعة ولا وضاعة مع الوضع الجديد للإعلام الذي شكلته حالة التطور الرهيبة في تكنولوجية ممارسته، وتبين أنه بُغت بذلك التطور مثلما بُغت بمستوى وعي الشعب الإعلامي والسياسي ومستوى مقدرته على توظيف تلك التكنولوجية في ثورته التحررية من قيود التعددية ـ الأحادية.

من هنا راح يرتجع إلى الأساليب القديمة التي لا تصلح للعهد الجديد، فظهر بالتالي بمظهر الراسب الذي لا يمكنه الانتقال بذاته وزاده وقدراته من مرحلة إلى أخرى في التطور، فيكيف به أن ينقل البلاد من وضع متخلف إلى آخر متقدم، وهي الحبلى بوعي جديد يفوق بكثير ما حمله في الماضي ويحمله من تصور للوطن والوطنية، وعي يربط الوطنية الجديدة الصغيرة بالوطنية الكونية التي صارت عنوانا للحضارة الإنسانية في مرحلتها الحالية.

إذا كنا قد فهمنا وتفهمنا موقف النظام الراسب بقوة الأشياء إذ انسدت أمامه آفاق الاندراج مجددا في لعبة التغيير التي يُحتِّمها التاريخ بتقلباته وتناقضاته، وبات يرتجع إلى أساليب الفرض والغصب والمنع الأولى التي ولت في الممارسات السياسية في العالم، فكيف يمكننا تفهم قابلية مسؤولي وصحفي الإعلام الخاص من قنوات وجرائد لقبضته وتوجيهه لها وقابليتهم للممارسة المهينة بالشاكلة المتهالكة التي كان يفرضها الاستبداد القديم في العالم؟

الديون .. ذلك الإرث الملغوم

واضح أن مرد السماع والانصياع للأمر بـ” التكتم والانكتام” و”التعتم والانعتام” الذي سلكته معظم القنوات التلفزيونية الخاصة في الجزائر، هو الابتزاز السلطوي فيما يخص غنيمة الإشهار الذي تسيطر عليه المؤسسة العمومية وتوزعه وفق درجات مختلف المؤسسات الإعلامية والصحفية لخطاب السلطة، كما أن السكوت عن الديون المترتبة عن بعض القنوات المفلسة وعدم جرها إلى إجراءات الحل القانوني شريطة أن تلتزم بالتوجيهات، هو ما فصل الإعلام عن الثورة بشكل شبه تام، لا بل أحيانا بشكل تام وهذا حين غيرت عديد القنوات خطابها اتبعت سبيل النظام في السعي لحصر الفاعلين الثوريين في خانة من يخونون الوطن ويوالون أعداءه، ويعادون تاريخه وثوابته!

عملت تلك القنوات على تحريف النقاش من خصوصية اللحظة الثورية إلى سياق الرؤية التي يتضمنها مشروع النظام لمستقبل البلاد بخلاف ما يحمله الحراك الثوري من مطالب وخطة طريق بعناوين كبرى ثابتة وواضحة.

الأمر هذا كشف عن بعدين أساسيين في الحالة الجزائرية، أولها أن العصابة التي هيمنت على المال والإعلام طيلة 30 سنة من بعد انهيار منظومة الحزب الصوري الواحد، والانقلاب إلى التعددية ـ الأحادية، ليست كلها اليوم في السجن ولا زال ذيلها خارج أسوار الحبس يدير المشهدين السياسي والإعلامي على المستويات الرسمية، وهذا ما يكشف بحد ذاته عن البعد الثاني والمتمثل في كون ولاء تلكم القنوات والصحف المسوقة اليوم لمشروع النظام والمعتمة عن مشروع الحراك، قد تحول من العصابة السجينة إلى العصابة الساجنة، وهو ما يؤكد ما وصفها به عميد الإعلاميين والصحفيين الجزائريين سعد بوعقبة من استحالة الإعلام بدوره إلى عصابة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق