سياسة وتاريخ

عسكرة الأحزاب السياسية المصرية

بلغ عدد الأحزاب السياسية المصرية قبل قيام ثورة 25 يناير المجيدة 84 حزباً قانونياً (انظر ويكيبيديا الموسوعة الحرة)، أما الآن فقد وصل العدد إلى 104 حزباً (حسب موقع المصري اليوم 24/10/2019)، والطريف أنه في الماضي كانت تتهم الأحزاب بأنها مجرد دكاكين صحفية، أما الآن فالأحزاب أصبحت أحزاب فيسبوكية، مجرد صفحة للحزب على الفيس بوك، وذلك في ردة خطيرة للخلف، فالحزب الذي بلا جريدة كأنه مطرب بلا جنجرة، كيف يستمع إليه الجمهور؟

فالجريدة هي لسان حال الحزب الذي يعبر بها ومن خلالها عن فكره وآراءه حيال القضايا التي تستجد على المجتمع، وطبعاً لأن الجرائد من نظر الحكومة الحاكمة في مصر هي مجرد منشورات تحض على كراهيتها، فكانت الأحزاب بلا صحف في عهد الحكومات المصرية.

وبدلًا من أن يتطور الأمر بعد قيام الثورة (25 يناير المجيدة) للمزيد من الحريات واتساع للنشاط الحزبي في مصر، والذي يعد أحد أهم الركائز الأساسية للمجتمعات المدنية، وجدنا الأمر يسير إلى الخلف، فلا صحف؛ أي لا صوت يعلو فوق صوت الحكومة، ولا نشاط حر للأحزاب بين القواعد الشعبية، بل ازداد الخناق على الأحزاب حتى لم تجد لها متنفساً سوى الفيسبوك.

ومما يزيد الأمر تعقيداً هو العسكرة، نعم عسكرة الأحزاب المصرية، ومن لم يتعسكر برضاه، يتم عسكرته بالقوة، كيف هذا؟ إليكم التفاصيل:

العسكرة الإجبارية

انظر عزيزي القارئ إلى معظم القيادات الحزبية في معظم الأحزاب الحالية، خصوصاً مما لها شبة قاعدة شعبية بين الجماهير، ستجد أن أغلب قياداتها من اللواءات العسكرية سواء جيش أو شرطة، ويحتلون مناصب عليا في الحزب كأمين العاصمة أو الأمين العام للحزب.. إلخ، حتى لدرجة أن بعض الأحزاب رؤسائها من العسكريين.

وذلك يعد سيطرة من المؤسسات العسكرية على الأحزاب السياسية المصرية التي من المفترض أن تكون مدنية، فالقيادة العسكرية لا تنسى أبداً تقاليد وتعاليم الحياة العسكرية، فهي تظل معهم وملازمة لهم حتى وإن تقاعدوا من الحياة العسكرية، وذلك حتى وفاتهم.

فقيادة الأحزاب السياسية تختلف بطبيعة الحال عن القيادة في الحياة العسكرية التي لا تعرف إلا “الله، الوطن، الأمر”، والتي تتلخص في فرض رؤية القيادة العسكرية على التابعين لها، وليس العكس فالحياة السياسية تلبي طلبات الأعضاء حتى ولو تعارضت مع رؤية القيادة السياسية.

والحياة العسكرية يجب أن تنفذ فيها الأمر أولاً حتى وإن كان خطأ، وحتى وإن كنت لا تقتنع به وبعد ذلك عليك أن تتظلم من القرار، وهو ما يخالف الحياة السياسية المدنية التي تتمتع بالحرية في النقاش وقبول الرأي والرأي الآخر، وأن من حقك الاعتراض على تنفيذ قرار لا تقتنع به، بل يصل الأمر إلى أنه يمكن لك كعضو عادي بالحزب أن تفرض رأيك على قيادتك طالما كان صحيحاً، وذلك طبقاً للقواعد الديموقراطية التي تكون الأساس لعمل أي حزب يؤمن بالحرية في اتخاذ القرار.

العسكرة الاختيارية

و هي تتمثل أنه في حالة عدم وجود قيادات عسكرية في الحزب فإن قادة الحزب المدنيين يتطوعون في تنفيذ كل ما سبق ذكره، حتى يحافظوا على مناصبهم في الحزب وعلى الحزب ذاته، من الدخول في دوامات النزاع على رئاسة الحزب التي تقوم الحكومة بتجنيد عملائها من أجل إشعال الصراع داخل الحزب، وهو ما ينتهي به في نهاية الأمر والمطاف إلى التجميد لنشاط الحزب، أي أنه يصبح خارج الخدمة، ولكن ليس مؤقتاً بل دائماً.

ولأنه لا يوجد حزب أياً كان يستطيع أن يمنع قيادة عسكرية من الانضمام له تحت أي سبب كان، وبالتالي تولي المناصب العليا في الحزب، فما الحل إذاً؟ هل نمنع العسكريين من الانتماء للأحزاب مثلما كان يحظر عليهم الانتماء السياسي أثناء الخدمة؟ أم نسمح لهم بالعمل السياسي منذ التحاقهم بالخدمة حتى يكتسبوا الخبرة السياسية اللازمة للالتحاق بالعمل السياس،؟ ولكن ذلك سيهدد المؤسسات العسكرية إلى الانقسام السياسي والأيديولوجيات المتعارضة فكرياً وسياسياً، أم نشكل لهم أحزابًا خاصة بهم بعد خروجهم من الخدمة ليرونا ما سيفعلون بحياتنا السياسية من عبقريتهم العسكرية؟

إن بحكم حظر الانتماء السياسي لهم منذ التحاقهم ليس فقط بالخدمة، بل منذ ما قبل التحاقهم بالكلية العسكرية الخاصة لكل منهم يفقدهم خبرة ومرونة العمل السياسي، مما لا يؤهلهم للتميز في العمل السياسي الحزبي، أي أن وجودهم في الأحزاب المصرية يضر ولا ينفع، فلا بد من حل لهذه المشكلة التي تهدد حياتنا الحزبية، والتي أصبحت ظاهرة ملفتة للنظر هذه الأيام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى