مدونات

عزيزي سارق التابلت: هل أنت مثقف!؟

عزيزي (….)
تحية طيبة وبعد:
أرجو أن تكون بخير وصحة، وأن يكون مزاجك في أحسن حالاته.

منذ سنوات قرأت مقالا للكاتب المعروف ”بلال فضل” تحت عنوان ”عزيزي سارق الكاسيت: من أنت؟”. المقال كان رسالة من الكاتب إلى شخص ما كان قد تمكن من سرقة جهاز التسجيل من سيارته بينما هي واقفة في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، ولا أعرف إن كانت تلك الرسالة وصلت للمُرسل إليه، الذي هو زميلك في ”الكار” أم لا؟ لكن بعد أن سرقت التابلت الخاص بي  قررت تكرار الأمر معك فربما تصلك رسالتي، وإن لم تصل فلا غضاضة، لأنني آجلا أو عاجلا سأنسى الأمر وأنت أيضا ستنساه، فأرجوك لا تحمل رسالتي هذه لك على محمل ٍ شخصي أو تعتبرها تشهيراً مقصوداً بك، واعتبرها مجرد ”طق حنك” لا أكثر كما يقول إخواننا الشوام.

واسمح لي أن أضع نفسي -للحظات- مكانك، وأحاول أن أستنبط ما يدور في عقلك الآن بعد أن حصلت على ”غنيمتك” مني.

تقتحم شقة رجل لا تعرفه، وإن كنت تعرف أنه يعيش بمفرده في بلد بعيد عن بلده، وتعرف أنه يعمل في السياحة، ولذلك كانت توقعاتك أنه يخبئ ”رزما” من العملات الأجنبية. أعتقد أنك راقبته جيداً وعرفت مواعيد دخوله وخروجه، وتقرر أن تسرقه.

حقيقة لا أعرف كيف نفذت ”العملية”، فكل مداخل الشقة سليمة ولا يوجد بها أي أثر لعنف أو كسر، أتوقع أنك تملك مفتاحا ً للشقة، الله وحده يعلم من أين أتيت به وكيف؟

تدخل ولعابك يسيل على الدولارات واليوروهات التي ستخرج بها، ربما كنت في حاجة ماسة إليها كي تشتري مخدراتك ومكيفاتك، لا داعي للشرح فأنا أعذرك يا صديقي، كلنا لدينا ”أمزجة” وإن اختلفت وتباينت من شخص لآخر!

بالطبع ستندهش من كمية الفوضى التي في الشقة، لكن لا بأس فأنت تعرف أن صاحبها يعيش وحيدا ً بعيداً عن زوجته وأهله. لن تلتفت إلى الملابس قطعا أو الأحذية المتناثرة في الممر المؤدي إلى غرفة النوم، بل ستشق طريقك نحوها بسرعة، فعلى الرغم من أنك متأكد من غياب ساكن البيت طول النهار إلاّ أنك تبدو متوتراً بعض الشيء، فالأمر -يا عزيزي- مهما كانت خبرتك به ليس سهلاً ولا يسيراً.

ربما كانت تلك أول مرة لك في السرقة، وربما ستكون الأخيرة، لكنها -حسب تخيلاتك وحساباتك- تستحق. حسنا، تدخل غرفة النوم فستجد نفس الفوضى والإهمال الذي لا تخطئه العين، وستحاول استكشاف الأماكن الخفية التي تحتوي على ”الكنز”.

تبدأ بالدولاب وتفتحه لكنك تتفاجأ بكميّة كبيرة من الجرائد والمجلات، إذا كنت تعرف القراءة جيداً، وهذا -إن عذرتني- ما أشك فيه، ستحاول استطلاع عناوينها وموضوعاتها، تجدها خليطا من جرائد حكومية وحزبية ومستقلة لا رابط بينها، أو هكذا تتصور، لكنها غير منتظمة الأعداد وتوقيت الصدور، وهو موضوع أحب أن أشرحه لك بصفة ودية، فبلدك يا عزيزي بعيدة عن القاهرة، ولا ينتظم وصول الجرائد والمجلات إليها، ثم إنني بطبيعة عملي أكون مشغولاً منذ الصباح حتى المساء فلا أتمكن من الحصول على ما أريد من ”الكشك” الوحيد الذي يبيعها (وأشك أنك تعرف مكانه من الأصل)، فهو يقفل أبوابه عند الظهر تماما، ولذلك فإنني كلما سنحت لي الفرصة في الخروج من بلد في رحلة عمل إلى الأقصر أو أسوان أحاول تعويض ما فاتني من أعداد تلك الجريدة أو المجلة التي أتابعها.

يسترعي انتباهك وجود أعداداً من مجلة متوسطة الحجم ومُلوّنة اسمها ”العريي”، وهي مجلة ثقافية تصدر في دولة الكويت الشقيقة منذ عام 1958، ولها دور ثقافي مهم حتى الآن، لا أظنك تعرفه أو تهتم بمعرفته، وهناك ثلاثة أعداد من مجلة أخرى ثقافية وملوّنة أيضا اسمها ”الكتاب”، وأحب أن أطمئنك -إن كنت مهتما أيضا- أنني توقفت عن شرائها منذ إقالة أو استقالة رئيس تحريرها الأستاذ ”محمد شعير” مدير تحرير جريدة أخبار الأدب الآن.

أعذرك إن كنت قد شعرت بالملل و”القرف” مما في خزانة ملابسي، فأنا يا عزيزي أهتم بالكتب والجرائد والمجلات أكثر من الملابس والأزياء، وعند هذه اللحظة أتخيلك ”ترزع” ضلفة الدولاب بغضب مكتوم لا ألومك -صادقاً- عليه.

ستنتقل إلى ”التسريحة”، ويزداد غضبك علي فهناك كميّة من الكتب تراها كبيرة، لكنها في الحقيقة بالنسبة لي ليست كبيرة نوعا ما، فعددها لا يزيد عن عشرة بأية حال، تقترب منها و”تدعبس” فيها علّني قد خبأت فيها بعض المال. أول كتاب ستحمله عنوانه ”الثورة العرابية”، بالتأكيد أنت تعرف ”أحمد عرابي”، فربما مر عليك الاسم ذات مرة، لكنك بالطبع لا تعرف اسم ”صلاح عيسى” مؤلف الكتاب، الذي رحل العام الماضي عن عالمنا، وهذا الكتاب هو أول مؤلفاته في السبعينات من القرن الماضي، وبالمناسبة أحب أن أقولك لك إن ”صلاح عيسى”، رغم عدم معرفته بك أو معرفتك به، قد كتب عنك (وأمثالك) وصفاً بديعاً في إحدى مقالاته، أظنك سوف تقبله بصدر رحب، حيث كان يحكي عن الأشياء والأشخاص الذين يُعكرون صفو حياتنا بدون قصد فهم مشبها إياهم بحسب ما قال بأنهم مثل “ثعالب صغيرة مُفسدة للكروم”، وإعذرني الآن فأنا لست في مزاج كي أشرح لك معاني تلك الجملة، وإن كنت أؤكد لك أنها لا تحمل أي وصف إهانة متعمّد من الكاتب الراحل، لكنك ستلعنه قطعا عندما تجد أن الكتاب الثاني أيضا من مؤلفاته، وهو كتاب ”تباريح جريح”، وهنا أختلف معك كلية فهذا الرجل لا يستحق لعناتك يا صديقي فقد عاش حياته كلها مدافعا عن الحرية والديمقراطية والعدالة والحياة الكريمة لك ولكل الشعوب العربية، وقد دفع ثمن ذلك سنوات طويلة من عمره إما معتقلا أو مطاردا، وبالتالي هو يستحق أن تترحم عليه وأن تقرأ له الفاتحة.

بعد ذلك تجد كتاباً ضخماً عنوانه ”الإغواء الأخير للمسيح”، وستعتبره كتابا دينيا عن المسيحية، وستعبر عن دهشتك أن يحوز مسلم على مثل هذه الكتب، لكنه ليس كما تتصور يا سيدي فهو رواية كتبها يوناني اسمه ”كازانتزاكيس”، ومعك حق إذا شعرت بعدم الراحة وأنت تمسك به، فهذا الكتاب هوجم بشدة وقت صدوره وحتى الآن، لكني أؤكد لك أنني قرأته كراوية لا أكثر.

لن تهدأ ولن تستسلم وتواصل التقليب في باقي الكتب، وتجد أنها كتب سياسية وتاريخية متنوعة، أربعة كتب تحمل اسم ”محمد حسنين هيكل”، واحد عن السينما لمحمود عبد الشكور، وآخر عن نجيب محفوظ ”بتاع نوبل” ليوسف القعيد، وهنا أقول لك أنني لا أقرأ للقعيد أبدا، ولا حتى مقالاته، لكن اسم محفوظ على الغلاف شدني فاشتريته ولم أستطع إكماله على طول عام كامل، ثم هناك كتاب بعنوان ”مسجد في ميونيخ” لكاتب أمريكي لا يهمك ولا يهمني ذكر اسمه هنا. في تلك اللحظة ربما فكرت في أن تلقي بكل هذا ”القرف” من الشباك الموجود عن يمينك، ولن ألومك إن فعلت، فأنا يا عزيزي لا أعرفك ولا أعرف مزاجك وإلا كنت قد أحضرت لك ما يُروّق بالك ويتحسن به دماغك.. آسف!

ربما أصابك الإحباط من أن تجد ما تبحث عنه، لكنك بالتأكيد ستطمئن نفسك بأنني ”خبيث” ولست سهلاً أن أترك ”أموالي” دون تخبأتها في مكان حصين، لذلك لن تهدأ وستواصل البحث، فتدور في الغرفة يميناً ويساراً لتتوصل للمخبأ، فتذهب إلى السرير وبخبرة لابد وأن أحترمها تفتش ”المرتبة” وربما قلبتها رأساً على عقب، ولن تجد شيئا تحتها أو بداخلها، لكن ستجد تابلت وموبايل ودبلة زواجي الفضية على المخدة، ستهمل هذه الأشياء قليلاً فهي من وجهة نظرك لا تستحق قياساً على ”كنز”، فالتابلت مكسور وبه خدوش كثيرة، من كثرة الاستعمال، والموبايل صغير ربما استنتجت أنه لا يعمل فتركته، وربما كانت دبلة الزواج لها قيمة لكنها في الآخر ”فضة” وليست ذهبا، فأنا كما تعلم مسلم لا أرتدي الذهب، وعندما لن تجد المال الذي جئت من أجله تقرر ”أخذ” تلك الأشياء الثلاثة تعويضا عن مجهودك، وأنا لا يرضيني أن تعود أدراجك بخفيّ حُنين، أو خالي الوفاض، مكسور الخاطر ومهزوم!

بالتأكيد سوف تبيع ”الدبلة” فهي بأسعار هذه الأيام تساوي أكثر قليلاً من الألف جنيه. أعرف أنه مبلغ لا يرضيك ولا يستحق المخاطرة، لكن الذنب ليس ذنبك يا صديقي، بل هو ذنبي لأنني ”بتاع كتب” لا أهوى جمع المال، وأفضي لك بسر أنني ”فقري” لا أمتلك حتى حسابا في أي بنك من البنوك.

لا أعرف مصير الموبايل ففي الأغلب أنك سترميه، فهو لا يعمل ولن يرضى أحد شرائه، أو ربما أهديته لأحد أطفالك أو أطفال أخيك أو أختك، وأما التابلت فستجد صعوبة في تشغيله لأن ”زرار الباور” محطم،  ومع ذلك ستتمكن من فتحه في النهاية، وأنت تفكر في تسلية وقتك في ألعابه، لكنك ستصدم صدمة كبيرة عندما تجد أنه لا يحتوي -وأنا آسف للمرة الثالثة أو الرابعة- إلا على كتب كثيرة جدا، ربما تخطت الألف كتاب، هي حصيلة سنوات من البحث والقراءة، وكنت قد اشتريت هذا ”التابلت” خصيصا من أجل ذلك فقط، والكتب كلها بطريقة ال PDF، لأنني أيها الصديق العزيز أعجز و”أفقر” من أن أشتري كل الكتب التي أريد قراءتها من المكتبات، حتى أنني، وهذا سر بيني وبينك، اشتريت ذلك التابلت المستعمل من صديق لي في العمل بمبلغ 2700 جنيه دفعتها على عدة شهور، وأقول لك بكل صدق أنني سوف أكون في غاية السعادة لو أنك قررت أن ”تثقف” نفسك قليلاً فلديك مجموعة مختارة ومنتقاة بعناية من الكتب القيمة، هذا إن كان يعجبك اختياري وذوقي الفكري، وشكراً من القلب لأنك تركت لي تلك الكتب علّها تُعوضني عن التابلت الذي في حوزتك الأن.

في النهاية صدقني لأني أجد نفسي عاجزا ً عن وصف مشاعرك تجاهي بعد كل تلك الصدمات التي نالتك مني، وأطمئنك أنني أتقبّل كل لعناتك التي لعنتني بها وأنت خارج من شقتي بهذه الغنيمة المتواضعة التي لم تكن تستحق معاناتك، ودعني -إن لم أزعجك- أن أسألك: كيف دخلت وخرجت من الشقة دون أن تترك أثراً يدل عليك يا ”خلبوص”!؟

وفي الختام لك مني كل سلام..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى