علوم وصحة

عزيزي القارئ .. ما هي نظرية داروين؟

تكمن مساهمة داروين ووالاس في أن تنوع الحياة وأنماط التشابه بين أشكالها هي نتيجة تحدر سلالات فرعية من سلف مشترك. يمثل “الانتقاء الطبيعي” Natural Selection العملية التطورية المركزية. فكل نوع حي يتكون من أفراد مختلفين.
وفي كل جيل يولد عدد كبير من الأفراد، بعضهم يبلغ مرحلة النضج والتكاثر. من ينجح في البقاء هم “الأصلح” من جهة الخصائص التي ضمنت بقاءهم وتكاثرهم، وهذه الخصائص ستورث للأجيال التالية في منافسة على التكاثر ينجح فيها صاحب الصفات الأكفأ. فالأفراد يحملون صفات مختلفة عن بعضهم، ومن بين هذا التنوع تظهر خصائص أكثر ملاءمة للبيئة في هذا الوقت من غيره، من حيث المنافسة على التكاثر والغذاء وتجنب الافتراس، ويتكاثر حاملوها بمعدل أسرع فتنتقل عبر الأجيال.
هكذا سوف تتغير الأنواع بمرور الزمن. لم يكن لدى داروين أي فهم لقوانين الوراثة، لذا افترض نوعًا من توريث الصفات المكتسبة تحت مسمى “شمولية التخلق”. لكن الاختلاف بين لامارك وداروين يكمن في أن لامارك اعتقد أن الصفات التي يكتسبها الكائن طوال حياته تنتقل إلى ذريته، بينما اختار داروين ووالاس الاعتقاد أن الطبيعة تطرح الكثير من الخصائص العشوائية، ولا يبقى منها إلا ما يلائم البيئة عبر الاصطفاء الطبيعي.
وعند إعادة اكتشاف مندل سنة 1900 انقسم العلماء بين مندليين يقولون بعدم إمكانية تغير الأنواع، وداروينيين يعتقدون بالتطور. كان مندل قد اكتشف من خلال تجاربه على البازلاء أن الصفات تنتقل منفصلة عبر الأجيال وأن هذه الصفات لا تتغير بمرور الزمن. وفي الثلاثينيات اجتمع علماء الوراثة والطبيعة للتوفيق بين الرأيين. فأرسوا ما بات يعرف بالداروينية الجديدة والتي تنص على:
1- جميع الظواهر الطبيعية يمكن تفسيرها من خلال الأدلة الوراثية والأدلة التي يقدمها علماء الطبيعة.
2- الاصطفاء الطبيعي هو الآلية الأساسية للتغيير التطوري.
3- التطور هو عملية تغير تدريجي بطيء في الجينات عبر امتدادات زمنية كبيرة.
4- تنقسم السلالات إلى أنواع عبر تحول تدريجي يحدث في ظل تبدل المشهد التكيفي للأنواع مع بيئات تتغير باستمرار.
تحدث الطفرات بشكل دائم في الجينات في تفاعل الأفراد مع بيئاتهم. أغلب هذه الطفرات ضار، ولا يتم توريثها للأجيال غالبًا. لكن بعضها محايد وبعضها مفيد نسبيًا. وهذه الطفرات تحدث تغييرًا في تشفير بروتين معين ما ينعكس على الصفات الفيزيائية للفرد. وأحيانًا يحدث تضاعف في جين معين أثناء عملية نسخ الدنا، ما يمنح فرصة بالحصول على بروتينات مختلفة. لكن هذه التغييرات لا تورث إلا إذا حصلت في الخلايا الجنسية حصرًا. إذا كانت هذه التغيرات ضارة فإنها ستختفي، لكن إن كانت مفيدة لحامليها فإنها ستظل وتميزهم عن أسلافهم مع مرور زمن طويل، وهكذا يحصل التطور بإيجاز وفق الداروينية الجديدة.
أهمل هذا البناء النظري كثيرًا من التعقيدات، وقد تلقى العديد من الانتقادات الوجيهة من عدة علماء، مثل ستيفن غولد ونيلز الدردج ولين مارغوليس وبريان غودوين، حيث قدم كل منهم إسهامًا مختلفًا لتفسير الآليات التطورية، وجميعهم لم يخرج عن عباءة الداروينية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق