ريادة أعمال وإدارة

عدم الكفاءة والروتين الوجه الآخر للفساد الوظيفي: هكذا ينهار المجتمع

من عوامل انهيار الأمم عدم الكفاءة في الأعمال وغيابها في المجتمع ككل، أو لنكن أكثر دقة عدم استخدام العلم فيما يجب أن يستخدم فيه، فالعلم تنبع أهميته من التطبيقات التي تجرى في المجتمع بعد البحث.

وسأبدأ مقالي هذا بطرح عدة أسئلة على القارئ ربما تساعد في طرح وجهة نظري:

كم مرة استقدمت أحد المهنيين لإصلاح عطل ما في أحد الأجهزة، وبدلاً من إصلاح هذا العطل أتلف شيئًا آخر؟

هل تمتلك سيارة؟ هل ذهبت ذات مرة إلى الميكانيكي أو كهربائي السيارات لتصلح جزءًا ما في السيارة، وأصلحه بالدرجة التي تبتغيها؟

هل استدعيت “السباك” أو “الكهربائي” يومًا إلى منزلك لإصلاح شيءٍ ما؟ وهل أصلحه بالدقة التي تمنيتها؟

كم مرة ذهبت إلى إدارة المرور لتجديد رخصة سيارتك، وأنت تعلم أن ما فعلته من مخالفات المرور هو فقط الذي ستدفعه، وكم مرة دفعت أموال لمخالفات لم تفعلها؟

كم مرة ذهبت إلى طبيب – عافانا الله – لا تعرفه؟ وكم مرة اكتشفت أن هذا الطبيب لا يعلم في الطب إلا كما تعلم أنت؟ أم أنك في كل مرة أردت الذهاب إلى الطبيب استشرت كل أصدقائك وجيرانك وأهلك وزملاء العمل للوصول إلى الطبيب الثقة، بل ويكون من أهم الأسئلة التي تسألها لكل هؤلاء: كم شخص ذهب إليه؟ وكم منهم تم شفائه على يديه؟

وهل لديك الثقة في الذهاب إلى مستشفى عام؟ وكم مرة سمعت عن حالات الموت أو العاهات المستديمة الناتجة عن الإهمال؟

هل قُدر لك يومًا أن تذهب إلى المحكمة؟ وهل كنت واثقًا يومها أن العدل فعلًا موجود بين أروقتها؟ وهل كنت تثق في الحصول على حقك بسهولة ويسر؟

وهل تعاملت مع “كاتب الجلسة” أو “المحضر المختص” أو حتى “موظف الخزينة”؟ وهل حصلت على باقى تعاملك مع موظف الخزينة، أم أنه لا يعترف بالفكة دون الجنيه الصحيح؟

ربما يعتبر البعض أن كل هذه الأمور سلوكيات شخصية تدل على عدم الكفاءة وأوجه للفساد موجودة بالمجتمع مثلما توجد في أي مجتمع آخر، لكني أرى أن مثل هذه الأشياء ليست نابعة من سلوك شخصي، بقدر ما هي نابعة من سلوك جماعي للمجتمع بأكمله، فقد أصبحنا نعيش حالة من العشوائيات في كل سلوكياتنا وليس في أماكن السكن فحسب.

وهذه المشاهدات بعضها ناتج عن خراب الذمم لمن يقومون بها، والأكثر منها ناتج عن عدم الكفاءة في الشخص الذي يقوم بالمهمة.

وفي تقديري، أن شيوع عدم الكفاءة في أي مجتمع كفيل بأن يكون سببًا هامًا في انهيار المجتمع، لأن أي مجتمع قائم على مجموعة من الحرف والمهن التي يمتهنها أبناء هذا المجتمع، لكي يستطيعون معًا أن يكونا منظومة متكاملة في كافة النواحي المجتمعية، فإذا ما حدث خلل في هذه المنظومة؛ وتخلى كل شخص بها عن كفاءته في إدارة مهنته فإن هذه المنظومة تتآكل يومًا وراء يوم، حتى يحدث الانهيار.

وعلى الرغم من أننا يمكننا القول أن هناك أسباب متعددة تؤدي إلى عدم الكفاءة تلك، مثل التعليم المتدني وعدم وجود الخبرات السابقة التي يمكن أن ينبنى عليها، إلا أننا أيضًا أمام حالة من حالات “التبلد”، وعدم التطلع إلى التجويد، بل يمكن القول أن كل منا يؤدي عمله بروتين تام، دون أن يكون بينه وبين المهنة التي يؤديها أي وفاق، فالأغلبية تتعامل مع مهنتها كمصدر للحصول على العائد المادي فحسب، ولا ينظر أحد إلى هذه المهنة من باب أنه يؤدي عمل يحبه، بل ويجب أن يبدع فيه، وأن يكتشف كل يوم فيه إضافة له.

وحين ينظر كل منا إلى مهنته هذه النظرة، ونتخلص من عدم الكفاءة في أعمالنا؛ سنجد أنفسنا تلقائيًا وقد أصبحنا من الأمم التي تسعد للبقاء في أوطانها.

وحتى يحدث ذلك، احترس من التعامل مع الآخرين في مهنة لا تعرف أنت عنها شيء.

اقرأ أيضًا: «كلما جاءت أمة لعنت أختها».. بالإقصاء يضيع الوطن وتتوه الثورات

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق