مدونات

عجوز المدينة البائسة!!

على رصيف البؤس الذي إعتدنا أن نسير عليه، بهذه المدينة البائسة، إلى امرأة عجوز طاعنة في السن تعد الفطائر والحريرة، نرتادوها كلما إنتهينا من تفقد أوضاع المدينة، ونحن طلبة متلهفين إلى إكتشاف كل شيء بعيدا عن بدونا وباديتنا، المدينة التي ندخلها لأول مرة نكتشفها ونعاود اكتشافها فنحن هنا نكتشف الأشياء مرات ومرات.

نمر بين الأشياء المعروضة على الطريق نقلب بعضها، ونتفقد البعض الآخر ثم نمضي من شدة لهفتنا إلى السيدة التي نال منها الزمن ما نال لكن إبتسامة باردة ساحرة عادة ما تزين محياها، تحكي تقاسيم وجهها اللفتي عليه وشم أخضر يضمخ أعلاه وأسفل ذقنها، رغم قسوة الظروف، وخروجها للعمل مقابل دريهمات معدودات، صراعها مع لفحات حر المطبخ لصنع الحريرة والفطائر، و إرضاء الزبائن مهما إختلفوا في طلباتهم، فهي تبتسم في وجه الجميع وتلاطف الجميع كما لو أنها تعرفهم منذ مدة.

نحن الذين كبرنا في البدوي، تصادفنا للمرة الأولى أشياء كثيرة، نستغرب لها، كخروج المراة للعمل، ففي المدينة كل شيء مباح هنا، الرجولة تركناها هناك بين أخاديد الحقول والأشجار والنباتات، بيوت الطين والقصب، هنا يجب أن نتعايش معهم حتى لا يقولون عنا “العروبية” التي التي شاخت فى أفكار لا قمر لها تعيش ظلمات عصور النسيان..وهكذا كنا نفعل عادة رغم ما نتشبث به من تقاليد في أعماقنا.

إبتسمت العجوز مرحبة بنا وكانت تلك الإبتسامة تزين وجهها الدائري كدينار وردي، ثم إنتصبت تنظر إلى صديقي العزيز الذي طلب “الحريرة”و بعض الفطائر كعادته، لقد اعتاد أن يأتي إلى هنا كل يوم، بينما أكتشف المكان لأول مرة…

طلبنا ما طلبنا وكنا نتشابه في الطلب وبعد ثواني معدودات كانت كافية لتحضر لنا ما لذ وطاب من الحريرة وما طلبناه من أنواع الفطائر المحشوة بالزبدة والعسل، على طاولة عدت مسبقا لذلك، الذخان يعلوا صحن الحريرة الصفراء الفاقع لونها يميل إلى الحمرة، المارة يمرون علينا لكننا غير مكترتين لذلك فلذة ما طبخت السيدة أنستنا كل شيء.

في المدينة القديمة التي بناها البرتغاليون، نتأمل اسوارها الذهبية، سكانها المختلفون عنا، باعتها وكل شيء هنا، ونتذكر تاريخا طويلا مضى وتركنا ننبشه لنكاشف حياتهم القديمة، أشياء كثيرة تباع هنا، الموز والليمون، حوانيت تقليدية انتصبت تنتظر الزبائن، أصحابها يطلون منها ترقبا لمن يقتني الخضر والسمك والفواكه وكل ما يعرضونه، يتبادلون أطراف الحديث في أغلب الأحيان، ثم يتغامزون على فتاة متبرجة إذا ما مرت عليهم، يضحكون على أشياء تافهة مملة، إنها حياتهم اليومية التي إعتادوا عليها لسنوات طويلة، لا صوت يعلو فوق صوت صاحب السمك، يصدح بأعلى صوته وهو يعرض بضاعته، وآخر هناك

ينادي الليمون بدرهم الليمون درهم، درهم واحد درهم واحد…
ذكرني هذا الصوت الرخم القادم من بين زحمة المدينة بقصيدة سلة ليمون، التي درسناها أيام الإعدادي، تذكرت أستاذ العربية الذي لطالما وقف منبهرا لطريقة قراءتي القصائد الشعرية، عادت بي ذاكرتي إلى الوراء سنوات خلت، شريط من الذكريات يجول في مخيلتي..ابتسامة جميلة، ثم همهمة، كل ذلك كان زمن الطفولة، لقد كبرنا اليوم!!

السيدة تنظر إلي بذهول وهي تشير إلى الحريرة، وتصر على أن اتناولها ساخنة، إنها تترقب رأيي فيما أعدت أناملها، وأنا على مهل أتحدث إلى صديقي محاول تكسير روتين “السويقة” المعتاد.

تواصل الحديث بيننا، عن البادية والأكل، الحديث الذي لم يكن يغريني كثيرا، خاصة أني لا أتحدث كثيرا عن الأشياء المعتادة التي عشتها من قبل، عادة ما أتخفى وراء شخصيات أخرى لكي لا أكون كتابا جل صفحاته مقروءة معروفة، شخصيتي الحقيقية لا يعلمها إلا ندر من الناس، وهذا ما يجعل الجميع يصرون على إقتحامها.

الروتين الذي عمر ردحا من الزمن سرعان ما تحول إلى حكاية أطربتنا بها “الحاجة” كما يحلوا لصديقي مناداتها، بعدما إقتحم أحد المجانين المكان وبدأ ينثر الكلام، كلام غير مفهوم، لكن ذو معنى عميق، أول ما خطر ببالي سبب هذا الجنون الذي اصابه،تذكرت الكثير ممن أصبحوا على هذا النحو، أغلبهم أصابهم جنون الحب والعشق، بحثا عن الوطن الوردي الفاتن..
أخذت العصا وبدأت تصرخ في وجهه وتأمره بالخروج والإبتعاد عن “الحانوت”، كنت أتابع الحدث عن كتب وكأنني أريد قول شيء لتلك العجوز، ملامحي كانت توحي بشيء ما، لكني تراجعت ولم أتحدث، قلت مع نفسي:
-الأمور لا تخصني، الرب قادر على شفاء هذا الشخص، إنه يعيش العذاب هنا ومن عذبه سيعذب هناك يوم القيامة، إنها عدالة الرب ونعم العدالة..

شمرت العجوز عن دراعيها وتوجهت إلينا محاولة تبرير فعلها، بعدما علمت أن الذين يشربون الحريرة من دعاة الثقافة والعلم والمعرفة، وأحيانا يحاولون الكتابة وحل شفرات الرياضيات، -اللعنة أنا لا أحب الرياضيات-، لكن القدر كل عام يقودني لصداقة جديدة مع أهل حل النظمات والمتراجحات والدوال…فأنا لا أحب الأشياء الجافة، فلتحيا عربيتنا الناعمة بالأحاسيس الجياشة، المحركة لما يخالج دوالخنا وعوالم قلوب لا تعرف لحساب المسافات بدا، فهي تلتقي دون حسابات.

إبتسمت العجوز مرة أخرى بعدما غادر المجنون المكان وهي تقص لنا قصته مع أهله ومعاناته مع هذا الجنون و “الدوليو” وهي تقول:
-الأسرة أهملته كثيرا، رغم غناها، لا أحد يهتم لحاله، نحن لسنا في بلاد الذين يعطون الحقوق، الكل هنا مشرد سواء كان ذلك طوعا او كرها، لا شيء يعجبني هنا، والله ما صبري إلا على الأبناء.

إنتهت الحريرة اللذيذة، وإنتهت حكاية الحاجة والمجنون، إلتفت إلى صديقي العزيز الذي كان منغمسا يلتهم الحريرة بلهفة العاشق، توقف برهة ونظر الي يكلمني:
الكوثرات الكوثرات…وهو يشير إلى فتاة جميلة بادرته مسرعا لقد نظرة نظرة ذؤيب لا سلام مع الغنمات، النساء كلهن متشابهات كوكالة المغرب العربي للأنباء يدعن الأخبار والأسرار بدون أن يسألهن أحد، في الحمام كما في السوق وبجوار المنازل ليلا ونهارا…

مد لها ورقة مالية من فئة عشرين درهما، منتظرا ما تبقى من العشرين ثم غادرنا وهو يردد تذكر يا صديقي العزيز “عليك بالسكووت والإستماع فهناك أشياء كثيرة تقال ستفيدنا في الحياة….اتمنى لك زوجة لا تديع اخبارك بلا سؤال”….

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق