مدونات

عبيد العصا

تقول الحكمة القديمة أن الكلب كثير النباح لا يعض، وقد تجسدت هذه الحكمة عبر التاريخ ورأيناها في واقعنا المعاصر عدة مرات، فأصحاب الحناجر القوية الذين احترفوا الصراخ والوعيد غالبًا ما ينهارون عند أول ضربة وأحيانًا قبلها، وقد لا يعرف الكثيرون أن الشاعر العربي امرؤ القيس والذي كان شاعرًا وأميرًا، قد خلّد التاريخ معلقته وبعض أشعاره، ومن بين أجملها تلك القصيدة التي بدأها ببيت:

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل .. أم غرك مني أن حبك قاتلي

هذا الأمير الوسيم، والشاعر المرهف، عاش طريدًا ومات غريبًا، حيث اشتهر عنه حبه للخمر، ومغازلة الحسان، فغضب منه والده الملك حجر وطرده، فهام على وجهه مع الصعاليك الذين نبذتهم قبائل العرب، يشرب ويلهو بلا هدف ولا قضية، وبالغ في أشعار الغزل حتى عُرف عنه سوء الخلق.

ولكن القدر أراد أن تتحول تلك الملهاة إلى مأساة، فقد تلقى امرؤ القيس خبر مقتل والده بأيدي أفراد من بني أسد بعد ثورتهم عليه، فلما بلغه الخبر ألقى النرد بعيدًا، وقال مقولته الشهيرة “ضيعني أبي صغيرًا وحملني دمه كبيرًا .. لا صحو اليوم ولا خمر بعد الغد .. اليوم خمر وغدًا أمر”.

وقد ورد في بعض الروايات أن الملك حجر قال لوزيره وهو يحتضر أن يطوف بخبره على أولاده جميعًا، فمن بكى منهم فلا خير يرتجى منه،  أما من يستقبل الخبر بجلد فحمله دمي.

والمفارقة الكبرى هنا أن الوحيد من بين أبنائه الذي تجلد عند المصيبة هو امرؤ القيس، فقد أعمل في بني أسد سيفه وعصاه حتى صار اسمهم بين الناس “عبيد العصا”، وتذللوا لامرؤ القيس أن يقتل مئةً منهم ثأرًا لأبيه، لكنه أبى، فتخلى عنه قوم أمه الذين ساندوه في بداية الحرب؛ لأنهم رأوا في رفضه للدية مبالغة وإفراط، ولكنه لم يفتر، بل استجار بالقيصر في مواجهة ملك الحيرة ومن خلفه كسرى الفرس، الذين أعلنوا الحرب عليه، ولم يوقفه سوى ملك الموت الذي اختطفه في ظروف غامضة، أرجعتها بعض الروايات إلى إصابته بالجدري، وورد في روايات أخرى أنه مات مسمومًا، ولكنه مات ملكًا وشجاعًا.

وهكذا يعلمنا التاريخ أن الصامتون ليسوا بالضرورة ضعفاءًا، وأن من يحبون الحياة واللهو إن جد الجد انتفضوا، وقلبوا ظهر المجن لمن جار عليهم وانتهك حرماتهم، وهكذا شعب مصر وجيشها، يسالمون من سالمهم ويحبون الحياة، ولكنهم لا يرضون في وطنهم الدنية، ولا يقبلون مساسًا بحدودهم ولا أمنهم القومي، فاحذروا غضب الصامتين.

أما الذين رفعوا عقيرتهم ضد مصر، وراودتهم أوهام الخلافة فاستخفوا قومهم، قد آن أوانهم أن يستفيقوا وأن يلزموا جحورهم، فقد ولى زمن الغزوات، والشعب الذي قرأ تاريخ غزوكم الأسود الذي غيب مصر لقرون عن الحضارة وعزلها عن العالم، لن يسمح لكم بالمرور أو حتى الاقتراب من أرضها.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق