مدونات

عبيد العالم الافتراضي ونموذج «التفاهة السعيدة»

عندما ترجع بي الذاكرة إلى سنوات خلت منذ كنت طفلة صغيرة، بعيدًا على العالم الافتراضي الذي طغى على حياتنا اليوم، أتذكر كيف كنت أستقبل شروق كل يوم بتفاؤل وحماس لكي أباشر مهامي الصغيرة التي كانت تبدو لي في غاية الأهمية آنذاك، فكنت فور الرجوع من المدرسة، أبدأ باللعب مع كلبي “باتو” في حديقة بيتنا وأستمتع بمشاكسته ليطاردني بدوره حول الشجيرات، حتى أستسلم من فرط الركض.

وأتذكر أيضًا، عندما كنت أنغمس في تأمل النمل ومتابعته وهو يحمل فتات خبز أكبر من حجمه ويسير به مسافات طويلة، فكنت أصده بأصبعي عن وجهته، غير أنه في كل مرة يستجمع قواه ويستمر فأستغرب من قوة إصراره، ولن أنسى السلحفاة التي كانت تختفي من حين لآخر وسط الأعشاب، فأظل أراقب هدوءها وأنتهز الفرصة عندما تُخرج رأسها لكي أمسك بها، لكنها سرعان ما تختبئ في قوقعتها، فكان شكل بيتها في الداخل لغزًا محيرًا بالنسبة لعقلي آنذاك.

وأذكر أيضًا كم كنت أستمتع مثل باقي الأطفال من جيلي بالرسوم المتحركة على شاشة التلفاز، كان وقتها وجيزًا لا يتعدى النصف ساعة، لكنها كانت كافية لتشطح بخيالاتنا في عالم القصص والحكايات الزاخرة بالرسائل الجميلة.

كل شيء كان له طعم خاص في الطفولة، حتى الإحساس بالملل الذي كان يراودني في أوقات الفراغ أحيانًا كان دافعًا للبحث عن متنفس من نوع آخر، ولطالما شكل عالم الرسم ملاذًا خاصًا أحلق فيه بحرية، وتلامس فيه أناملي الصغيرة الورقة البيضاء لتبوح لها بكل ما في ذهني من رؤى وانعكاسات للواقع البسيط الذي كنت أعيشه.

وعندما تعود عجلة الزمن بمخيلتي إلى اللحظة الراهنة حيث طغيان العالم الافتراضي على حياتنا، يستوقفني مشهد في ذهني لطفل يبلغ من العمر بضع سنوات، وهو ممسك بهاتف ذكي و يلعب جاهدًا بأحد البرامج الذي تم تحميله ورأسه مطأطئ لفترة طويلة أمام الجهاز، والشيء الذي أثار شفقتي وامتعاضي في آن واحد هو الانعزال التام الذي كان الصغير منغمسًا فيه، لدرجة أصبح فيها جسده عبارة عن جثة جامدة لا يتحرك فيها سوى بؤبؤ عينيه وأصابعه التي تتراقص في خفة على الشاشة.

قد يبدو منظر هذا الطفل مألوفاً جدًا في البيوت في وقتنا الحالي، فحاله حال الكثير من الأطفال الذين أصبحوا ضحية العالم الافتراضي وعصر التكنولوجيا، فصارت أقصى متعتهم تمضية ساعات وساعات أمام شاشات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة من أجل اللعب أو لمشاهدة فيديوهات تافهة على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، والأمر يتم بمباركة من آبائهم الذين ساهموا بشكل إرادي أو لاإرادي في جعل أبنائهم سجناء لخردة آلات جردتهم من أبسط وأجمل مرحلة عمرية في حياة الإنسان، مرحلة الطفولة!

وهنا أطرح السؤال الذي يتبادر إلى ذهني: ماذا سيحمل هذا الجيل من الأطفال في ذاكرته في المستقبل؟

عندما استقللت الترامواي هذا الصباح، جلت ببصري حول الراكبين، باحثةً عن مقعد شاغر، فجلست بقرب امرأة في منتصف العمر تتحدث عبر هاتفها النقال بنبرة عالية غير مبالية بالجماجم المحيطة بها، غير أن تلك الجلبة لم تؤثر البتة في الشاب الواقف أمامي، كانت تعلو شفتيه نصف ابتسامة، وكل تركيزه منصب على رسائل منصة “الواتساب” التي تُسمع رناتُها من آن لآخر، وبجانبه فتاة لا تتجاوز عقدها الثاني أسندت رأسها إلى زجاج النافذة، كانت شاردة الذهن، وفي يدها هاتف موصول بسماعات يصل ضجيج الموسيقى الصاخبة المنبعثة منها للقريبين منها.

نظرت إلى الراكبين من حولي، فإذا بمعظمهم يحملون أجهزة اتصال، يعيشون في العالم الافتراضي كانوا عبارة عن أجساد متسمرة معزولة عن العالم المحيط بها، ولا يدرون أنهم حُرموا من نعمة التأمل، وإطلاق عنان الخيال في منظر الطرقات والمباني التي ينعكس على واجهاتها ضوء الشمس، ومنظر النهر الذي يخترق المدينة والطيور التي تجتمع أسرابها على جوانبه، قد يبدو الأمر غريبًا، لكن العقل بحاجة مُلحّة لبعض الشرود الذهني لكي يجدد نمط تفكيره.

وربما مشهد الترامواي لا يختلف كثيرًا عن واقع بيوتنا التي أصبحت عبارة عن مقابر من فرط سكون أفرادها، فصار أكبر همنا أن يكون صبيب الإنترنت عاليًا، ونسينا صبيب العلاقات مع بعضنا البعض وأضحينا نعاني من الوحشة ونقص الثقة في النفس والتوحد والانعزال وبرود المشاعر من جراء إدمان العالم الافتراضي الشيء الذي أدى بالكثيرين منا إلى عدم القدرة على التفاعل الاجتماعي والتهرب من التخاطب المباشر لدرجة أصبحنا فيها نتبادل عبارات التهنئة والنعي عبر بطاقات افتراضية لتوفير عناء الكلام.

من جهة أخرى، أصبحت الهواتف الذكية وسيلة توفر ولوجًا أسهل للكثير من منابر الإعلام وبرامج القنوات التي كانت من قبل حكرًا على محطات التلفزيون وإذاعات الراديو والصحف، وصارت عقولنا محاطة بزخم هائل من المعلومات على مدار الساعة، فلم نعد بمنأى عن ضياع التركيز وافتقار الكثير منا بشكل لاواعي إلى رفاهية اختيار محتويات المواد التي تلج أذهاننا كل يوم مما أدى إلى تعاظم الآثار السلبية لاختراق أفكارنا والسيطرة على اهتمامات العقل الجماعي.

ولعل فئة الصغار تبقى الأكثر عرضة لهذة الموجة العبثية، فنجدهم عاجزين عن التمييز بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي، فالأمر سيان بالنسبة لهم، والأدهى من ذلك هو رفضهم للواقع “الرتيب” الذي لا يقدم لهم نموذج “التفاهة السعيدة” كما تفعل تطبيقات الألعاب وبرامج التسلية، ناهيك عن منصات التواصل الاجتماعي التي قلبت موازين القيم الاجتماعية وجعلت من مشاهير الغفلة مؤثرين في جماهير عريضة من الجيل الصاعد.

والسبب؛ أن شرذمة من مقدمي المحتويات التافهة في العالم الافتراضي يستعرضون فقط جانبًا براقًا لحياتهم ويبيعون وهم السعادة الزائفة التي لا تمت للواقع بصلة، بهدف جني أرباح خيالية حتى لو اقتضى الحال أن يصوروا مقالب سخيفة في عقر بيوتهم ويروجوا لعادات دخيلة على ثقافتنا، بل منهم من وصل به التدني الفكري إلى استعراض مشاكله الخاصة وافتعالها أمام الملأ ليستقطب استعطاف أكبر عدد من المشاهدين، ضاربًا بعرض الحائط المنظومة القيمية للأسرة وحرمتها.

كلنا نعلم أن عصر الاستعباد قد ولى وطُويت صفحاته في غياهب تاريخ الإنسانية وتخومه النائية، غير أن الاستعباد الذي نعيشه اليوم هو تطويق من نوع آخر، واسم “الشبكة العنكبوتية” الذي أطلق على “الإنترنت” في البداية، هو بالفعل اسم على مسمى، فلقد أضحينا كالفريسة المكبلة بالخيوط تنتظر يائسة لحظة النهاية المشؤومة. إنه حصار وطمس لإنسانيتنا التي أصبحنا نعيشها فقط في أوقات الأكل والشرب والتفريغ والخلود إلى النوم، بل حتى لحظات الأكل لم تسلم من هذا التضييق، فمنا من يأكل بيد ويتصفح هاتفه بيد أخرى ولا يلذ له الطعام حتى يأخذ صور سيلفي مع صحنه!

شئنا أم أبينا يجب الإذعان لهذه الحقيقة المؤلمة: لقد غدونا عبيدًا للتكنولوجيا! فهل من مناص؟

قد تبدو الإجابة ضبابية في منظومة الفضاء الرقمي الذي نقبع تحت براثنه، لكنني أوقن تمامًا أن أولى الخطوات لاسترجاع فطرتنا السليمة تكمن في ترتيب أولوياتنا بادئ ذي بدء والتقليل من الاستخدام الجائر لهواتفنا واستبدالها بتواصل حقيقي حي فيما بيننا، فما أحوجنا لدفء العلاقات الإنسانية.

ولكي نكون نحن المتحكمون في هذه الآلات وليس العكس، حريّ بنا ضبط الوقت المخصص لاستعمالها حتى لا ننجرف أمام سيل ملهيات العالم الافتراضي وعندما يطرق الإحساس بالملل أبوابنا، فما من داع للإبحار بلا هدف في مواقع و منصات تغذي ثقافة الاستهلاك السطحية وتعرض أساليب حياة قد لا تكون بالضرورة مثالًا يقتدى به، ولننمي فكر الفرز والانتقاء، ولنشغل أنفسنا بتطوير مهاراتنا في ميادين أكثر إفادة وبالترويح عن أنفسنا بطرق لا تجردنا من إنسانيتنا.

فلا تكونوا إمّعة ولا تنساقوا وراء عبيد هذا الزمن!

اقرأ أيضًا: مواقع التواصل.. أقنعة مزيفة وشاشات تخفي حقائق صادمة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Nada

كاتبة مقالات و مترجمة من المغرب، حاصلة على الإجازة في اللغة و الأدب الإيطالي، و الماجستير في الترجمة الأدبية والثقافية.

‫14 تعليقات

  1. مقالة ممتعة هائلة ، اخذتني الى العالم الطفولي البريء والبدائي (نحن في امس الحاجة الى الحياة البدائية البعيدة عن الحضارة والتكنولوجية اللتي استعبدتنا وصرنا عبيدا لها) . اهنؤك ، امتعينا بهذه الكتابات الخفيفة الظل. نريد المزيد…

  2. مقالك يا ندى كصفعة أيقظتني من غفلتي و خطورة الوضع الذي كنت أستشعره من قبل ولكني كنت أتغاضى عنه. فعلا صرنا عبيدا نعيش السعادة التافهة و نسوق معنا أطفالنا نحو الهاوية. سيكون مقالك حافزا لي شخصيا لأغير عاداتي و عادات أطفالي و نستمتع بلحظات سويا قبل فوات الأوان. شكرااا لك على مقالك وعلى سلاسة لغتك و أسلوبك😍

  3. اعجبت بمقالتك التي تجسد واقعنا المعاش، كما انها سافرت بي عبر الزمن الى ماض يحن له قلبي كان يتميز بالبساطة و الحب و…..
    شكرا ندى على تلك اللحظات و بالتوفيق ان شاء الله.

      1. باسلوب سلس و رائع و عبارات راقية تنم عن ضلاعتك في اللغة العربية تناولت موضوعا شاءكا موضوعا يؤرق الانسانية جمعاء بتشويق لا مثيل له و تسلسل فكري يجعل القارئ يلتهم المقال التهاما بدون ذرة ملل في زمن اصبحت فيه القراءة عملة نادرة الى منعدمة تعاني منه لغتنا الام في صمت رهيب تفوقك في كتابة هذا المقال ان دل على شيء فانما يدل على شغفك الواضح و الجلي بجل الميادين الادبية .تمنياتي لك بالاستمرارية و النجاح في الكتابة المجال الذي لطالما استهواك و شغل فكرك فلتلهمينا بالمزيد ،رحم اله من علمك

  4. ما أروع البساطة او ما يسميه الغربيون الاشياء الصغيرة البسيطة للحياة ، لقد وضعت الاصبع على الجرح الغائر، ما ابشع الوهم.

  5. السيدة ندى، راقني ما كتبت ، الا ترين معي ان الظاهرة التي عرضت يمكن تناولها من زوايا متعددة : اجتماعية،نفسية، تربوية، اخلاقية …. فمزيدا من الضوء على هذا الموضوع، تقديري و احترامي.

    1. إقتراحك صائب وأنا أشاطرك الرأي في كون الموضوع يستحق تحليلا مستفيضا من شتى النواحي لجسامة أثره على أسلوب حياتنا، أشكرك على حسن انطباعك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق