سياسة وتاريخ

عبد الحليم خدام.. خسارة مزدوجة وموت في المنفى

في السادسة من صباح الحادي والثلاثين من مارس الماضي، توفي عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السوري الأسبق في منفاه الاختياري بالعاصمة الفرنسية باريس، عن عمر ناهز الثمانية وثمانين عاماً، وقد قضى الخمسة عشر عاماً الماضية منشقاً عن النظام العلوي السوري الذي كان أحد أركانه لخمس وثلاثين سنة.

كانت علاقة خدام بعائلة الأسد شخصية قبل أن تكون سياسية، فقد تزامل خدام وحافظ الأسد خلال دراستهما الثانوية بدمشق، بالرغم من أن الأسد يكبر خدام بعامين، إلا أن الأسد التحق بالتعليم متأخراً عن أقرانه، وعندما تأسس حزب البعث عام 1947 التحق زميلا الدراسة به وصارا من أعضائه، وبالرغم من افتراقهما في المرحلة الجامعية حيث التحق عبد الحليم خدام بكلية الحقوق، وأصبح حافظ الأسد طالباً في الأكاديمية العسكرية بحمص قبل أن يلتحق بمدرسة الطيران في حلب ليتخرج منها طياراً بسلاح الجو السوري، إلا أن زمالة الرفيقين البعثية استمرت.

ومع صعود البعث للسلطة في أعقاب انقلاب الثامن من آذار 1963، بدأ نجم عبد الحليم خدام في البزوغ، فقد تولى القيادي البعثي الشاب منصب محافظ حماة، وعندما انتفض الحمويون ضد الأفكار البعثية المعادية للدين في أبريل 1964، كان خدام المحرض الأول للسلطة المركزية في دمشق لجعل المنتفضين عبرة لغيرهم، وبالفعل قمع حافظ الأسد الذي كان قائماً بأعمال وزير الدفاع انتفاضة حماة الأولى بالحديد والنار، ليظل الحمويون ينظرون لخدام ما بقي من حيواتهم بعين الكره والغضب.

زاد حضور خدام في الحياة السياسية السورية عقب انقلاب حافظ الأسد على حكم نور الدين الأتاسي في السادس عشر من نوفمبر 1970، والذي عرف بالحركة التصحيحية، وعهد حافظ لصديقه المقرب بوزارة الخارجية ليجمل وجه رأس النظام الطائفي والقمعي والبغيض، خاصة في المحافل الدولية، وذلك على مدى أربعة عشر عاماً حتى 1984، وكانت أبرز أدواره التي أداها بنجاح هو بسط نفوذ الأسد الأب داخل لبنان، حتى سماه اللبنانيون متندرين والي لبنان بعدما كان يحمل أوامر حافظ لعملائه في بلاد الأرز، بالإضافة لتحجيمه دور ياسر عرفات في قيادة منظمة التحرير بعدما شجع القادة المعارضون له أن ينشقوا عليه.

وبعدما وقع الصراع بين حافظ وشقيقه رفعت الذي انتهى بنفي رفعت خارج سوريا، عين حافظ عبد الحليم نائباً له، وما هي إلا سنوات قليلة عندما بدأ حافظ يجهز لتوريث الحكم لنجله الأكبر باسل، حتى كان خدام من عرابي الوريث الجديد، لكن وفاة باسل المفاجئة أول 1994 حولت بوصلة حافظ وأزلامه لبشار، وكان خدام مخلصاً للغاية في أداء مهمته، وعندما تولى بشار الرئاسة في يوليو 2000، أظهر خدام مدى حرصه على إبقاء النظام مسيطراً على الوضع في سوريا.

رفض خدام ما أسماه الأسد الابن مبادرة ربيع دمشق، التي سمح خلالها بشار لمعارضي النظام بتأسيس أحزاب ومنصات إعلامية، وأدخل في روع الوريث أن هذا الأمر سيتسبب بانهيار النظام، وعليه عاد بشار لانتهاج سياسات أبيه، ودافع خدام عن نهج السلطة من خلال كلمته في مدرج جامعة دمشق في فبراير 2001 بأن الحكومة لن تسمح بجزأرة سوريا، أي تحويلها لدولة متناحرة مثل الجزائر التي كانت تعاني وقتها من العشرية السوداء بين الحكومة والتيار الإسلامي.

غير أن نقطة الافتراق جاءت مع انشقاق خدام عن الأسد الابن في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، خاصة مع تلميح خدام مثل مواطنه غازي كنعان قائد المخابرات السورية في لبنان بمسئولية بشار عن مقتل الحريري، وشعر خدام أن بشار قد يتخلص منه، فقفز من القطار قبل أن تحين محطته، وعندما اندلعت الثورة السورية، حاول خدام إيجاد موطئ قدم فيها، لكن المعارضة السورية لفظته معتبرة أنه شريك أصيل في جرائم الأسدين.

عاش خدام في الظل ورحل في هدوء، لكنه لا طال السلطة في دنيا وحسابه عسير في الآخرة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى