ثقافة وفنون

عبد الحليم حافظ يثور ضد الذوق العام!

عبد الحليم حافظ يثور ضد الذوق العام!

“الفن مين يفهمه إلا اللي عاش في سماه، والفن مين يعرفه غير الفاروق ورعاه”.

مستخدمًا تلك العبارة، أصدر محمد عبد الوهاب أغنيته التي حملت اسم الفن في منتصف الأربعينيات، بمقدمة موسيقية مصطنعة، لم تصل إلى مسامع العامة، أو بتعبير أدق إلى قلوبهم.

تنوع الإنتاج الفني في عقد الأربعينيات موسيقيًا بين أغانٍ لا يفهمها سوى علية القوم، مثل: “ريم على القاع بين البان والعلم” للسيدة أم كلثوم، ومونولوجات استهدفت قطاعًا مختلفًا من الجماهير، اشتهر بها حسين المليجي، ومن بعده محمود شكوكو.

اقتباس من د. جلال أمين في كتابه ماذا حدث للمصريين: “نحن نعيش الآن فيما يبدو مرحلة لها شبه من حيث الموسيقى والغناء بمرحلة الأربعينيات، إن الطابع مختلف بطبيعة الحال بين المرحلتين ولكن الهبوط واحد، وهناك سبب مشترك بين المرحلتين، وهي قيام حاجز منيع بين الطبقات العليا والدنيا”.

قاد تنظيم الضباط الأحرار في يوليو من عام 1952 ثورة على الملك فاروق ونظام حكمه، ونجح العساكر في مساعيهم، حين تسلم اللواء محمد نجيب مقاليد الحكم بوصفه رئيسًا لجمهورية مصر العربية، في حدث فريد من نوعه شهدته مصر للمرة الأولى في تاريخها الحديث.

ثورة فنية، لم تحدث على سبيل المصادفة، قادها عبد الحليم حافظ في سياق متصل بثورة يوليو، حين أصبح القروي البسيط طالبًا في معهد الموسيقى العربية، ثم مطربًا في الإذاعة المصرية، وفنانًا يمتلك شعبية كاسحة ذاع بها صيته في العالم العربي بأكمله.

أخذت بنية المجتمع المصري تشهد تحولًا غير مسبوق على خلفية ثورة يوليو، حيث زاد على الطبقتين العليا والدنيا طبقةً متوسطة، تحمل خصائص منفردة بذاتها، وتقلصت على إثر ذلك الفروق بين الطبقات الثلاث، وبدأ المجتمع يعرف مصطلحات مستحدثة من نوع: “الإصلاح الزراعي، إعادة توزيع الثروة، مجانية التعليم، والإسكان الشعبي”.

متسلقًا على أكتاف يوليو، ومستغلًا انهيار حاجز منيع كان يفصل بين الطبقات الاجتماعية، انطلق عبد الحليم يطرب ويتغنى دون قيود إنتاجية، في مساحة حرة لمع خلالها في وقت قياسي، حتى أصبح ظاهرة تستحق منا الدراسة والتحليل، مع التركيز على صعوده، وتأجيل الحديث بشأن هبوطه إلى وقت آخر.

عبد الحليم حافظ يتغنى بقوله: “صافيني مرة وجافيني مرة”، ويرد عليه الجمهور الحاضر بآذان غير صاغية، وتعبيرات وجوه غير راضية، لكن سرعان ما تبدل ذلك، بوصفه بالعندليب حينًا، والبكاء الشديد على وفاته في مناسبة أخرى.

الأغنية المصرية عند عبد الحليم حافظ:

وبين الصعود والهبوط، دأب عبد الحليم على تغيير شكل الأغنية المصرية تدريجيًا، حين أصبحت الأغنية تأخذ وقتًا أقصر، وألحانًا بإيقاع أسرع، وكلمات ذات تعبيرات أسهل تناسب طبيعة الجمهور الجديد، المتحرر تمامًا من القيود الطبقية التي تقضي تمامًا على مبدأ العرض والطلب، فما يطلب لا يعرض، وما يتم عرضه ليس بالضرورة أن يتسق مع المطالب الفعلية.

جمهور عبد الحليم حافظ الذي استمع إلى أغانيه ولم ينصت إليها اتبع سلوكيات غير تلك التي اتسم بها زوار مسارح الأربعينيات، حيث زاد التراقص والتمايل، وقل احترام الجملة اللحنية بإطالة التصفيق في أوقات غير مناسبة على الاطلاق، والتصفير في مناسبات يحرم خلالها الكلام، بل الهمس.

إذن، يجب علينا في طريقنا نحو بحث أسباب تبدل الذوق العام النظر بل إطالة النظر في التحولات الاجتماعية، للإجابة على عديد التساؤلات الهامة قبل تأكيد الفرضيات، واستخدامها بوصفها نظريات غير قابلة للإبطال والكسر.

في المقال القادم، نقدم لكم استعراضًا للهبوط المدوي في مسيرة عبد الحليم حافظ، تحديدًا في منتصف السبعينيات.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد عمارة

صحفي، يهتم بالبحث في تبدل الذوق العام الفني، معتمدًا على إيمانه بأن ذلك لم يحدث اعتباطًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق