ثقافة وفنون

عباس محمود العقاد و”آية الكواكبي”

“آية الكواكبي”

من مكتبته العامرة الزاخرة بالمؤلفات الكثيرة خصَّص عباس محمود العقاد أيّاما من حياته ليخطَّ سيرة قيمة لشرّاح الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي الذي هو “نموذج عزيز المثال لأولئك النّوابغ أصحاب الرسالات الذين اتفقت لهم أسباب زمانهم ومكانهم وأسباب نشأتهم ودعوتهم، تكاد سيرته تغري بالكتابة فيها لأنها تطبيق محكم لتراجم هذه الفئة من النّوابغ الدعاة”(1) وقد تتبع العقاد حياة الكواكبي من ميلاده ونشأته إلى وفاته.

وبين الميلاد والوفاة حياة حافلة شرق وغرب فيه ورحل باستمرار ولم يعرف الاستقرار، عاش الكواكبي في الشطر الثاني من القرن التاسع عشر (1855ـــــ 1902م) أي في عصر النّهضة القومية والأسئلة النهضوية وكذا زحف المطامع الخارجية والهبة الأوربية العلمية الصناعية، فانخرط في بحر هذه الأوضاع مؤديًا رسالته النبيلة كرائد من رواد الإصلاح في مجتمعات العالم الثالث، ومما وقف عنده العقاد في كتابته لهذه السيرة الكواكبية ،كتابات الكواكبي التي لم تكن كثيرة من ناحية الكم لكنها قيمة من ناحية النّوع، وأشهر كتبه اثنان، فالأول أودعه عصارة أفكاره عن سؤال :لماذا تأخر المسلون وتقدم غيرهم؟ والذي هو (أم القرى) ، والثاني هو “الذي يُعدّ آية الكواكبي”(2) كما عبر العقادـ، وهو كتاب (طابع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، فلماذا قال العقاد أن الطبائع آية الكواكبي؟
وإن لم يكن العقاد قد تكلم كثيرًا عن كتاب (الطبائع) في الفصل الذي ترجم له (بطبائع الاستبداد) إشارة إلى الحديث عن الكتاب، إلا أن كتاب العقاد كله صار (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) فهو لم يسطر فكرة في أي موضوع من الموضوعات التي تحدث عنها في خضم السيرة الكواكبية هذه، إلا ونَفَس كتاب الطبائع حاضر بقوة مسيطر على حركة القلم فيه، وهذا أول تأويل ممكن لما أشار إليه العقاد بقولته أن كتاب الطبائع هو (آية الكواكبي)، بحيث أن الكتاب يسحب قارئه إليه ويَبذر فيه بذور الرّفض والإباء، ويجعل منه شُعلة متقدة مناهضا لكل مظاهر الاستبداد غير المشرفة التي فصَّل فيها الكواكبي القول في آيته(3) هذا ويبعث الكتاب في الإنسان قيم الحرية وروح المقاومة.

فهو بالتالي سِفْر حُر يكرّس الحرية والكرامة والعادلة الاجتماعية ويقوض القابلية للاستعباد لدى البشر كما تقوّض كتب مالك بن نبي القابلية للاستعمار.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فكتاب (الطبائع) كما أنه ثورة لا تهدأ في مناهضة الاستبداد، فهو كذلك تشخيص دقيق لعلة الطغيان بأيد كواكبية مشرّحة محللة لعناصر الاستبداد، ومفسّرة لعيوبه وكاشفة لأعراضه ومبرزة لآثاره، فهو بحق تشريح لأصول الإستبداد “كما صورها الكواكبي من وحي تجاربه وتأمّلاته في البلاد العثمانية وفي بلده وإقليمه بصفة خاصة، لأنه يحمل مصورة تُريه ما يقع عليه حسُّه ولا تريه ما لم يشهده بعينه”(4).

فالكواكبي من خلال ما خطه في آيته _ الطبائع_ ظَهرت عبقريته وتجلت في قدرته الهائلة على تحليل طبائع الاستبداد وتجلياته السياسية والاجتماعية في الحياة البئيسة للشعوب المقهورة في الأقطار الثالثة، “ومبلغ القدرة في العبقرية الكواكبية أنها مجهر يريه مدى السنين”(5).

وذلك لأن الكواكبي شخَّص علة يمكن تعميم خلاصات نتائجها التي توصل إليها في زمانه، على جميع الأقطار التي عشش فيها الاستبداد واستوى على سوقه فيها اليوم، وهذا ما يثبته واقعنا المعاصر اليوم حيث نجد العديد من مظاهر الاستبداد التي تكلم الكواكبي عنها وشخّصها تتماثل مع الصُّور الاستبدادية الحاضرة اليوم، وكأن الكواكبي حاضر معنا ويعيش واقعنا! الآن وهنا “ومن يبحر اليوم في كتاب عبد الرحمن الكواكبي المشهور طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، سيجد ضالته المنشودة نحو فهم عميق وشامل لواقع الطغيان وطبيعة الاستبداد العربي المعاصر وإدراك أبعاده وإسقاطاته وتجلياته إدراكا يتصف بالعمق والدقة والشمول، وكأنّنا بالكواكبي يحلل طبيعة الطغاة المعاصرين ويدوّن يومياتهم ويحصي حركاتهم وسكناتهم ويصف نواميس استبداده”(6).
وبناء عليه يمكن القول، أنّ قدرة كتاب الطبائع على جذب قارئه إليه وتَبيئَته في محيطه وغرس أفكاره فيه وبَذر بُذور المقاومة للاستبداد والتسلط في شخص القارئ، وكذلك القدرة التشريحية الهائلة للاستبداد عند الكواكبي في كتابه _الطبائع_ جعلت هذا الأخير (آية الكواكبي) حقًا كما قال العقاد، كتاب جمع بين قوة السحب ودقة التّشريح، فهو آية جديرة بالإعجاب تَفتَّقت عن شخصية “عبقرية يتلقى فيها سداد الفكر وشجاعة الضمير”(7).

فرحم الله فارس الحرية الكواكبي، ونختم ببيتين شعريين لشاعر النيل حافظ إبراهيم قالهما في رثاء الكواكبي:
هُنا رَجُلُ الدُنيا مَهبِطُ التُقى
هُنا خَيرُ مَظلومٍ هُنا خَيرُ كاتِبِ
قِفوا وَاِقرَؤوا أُمَّ الكِتابِ وَسَلِّموا
عَلَيهِ فَهَذا القَبرُ قَبرُ الكَواكِبي

(1)_ عبد الرحمن الكواكبي، عباس العقاد، دار نهضة مصر،القاهرة، ص5.
(2) _ نفس المرجع، ص86.
(3)_ طبائع الإستبداد، الكواكبي، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2012، من ص 21إلى ص85.
(4)_ عبد الرحمن الكواكبي، عباس العقاد، دار نهضة مصر،القاهرة،ص100.
(5)_ نفس المرجع، ص194.
(6)_ في مضارب الاستبداد ونوازع الاستعباد: الكواكبي شاهدٌ على العصر، علي أسعد وطفة، مؤمنون بلا حدود.
(7)_ عبد الرحمن الكواكبي، عباس العقاد، دار نهضة مصر،القاهرة،ص194.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى