سياسة و تاريخ

عايز حقي… سلطة القانون وقانون السلطة!

حقوق الملكية

في عام 2003 ظهر فيلم كوميدي مصري للفنان هاني رمزي يحكي قصة شاب مصري فقير يكافح من أجل الحصول على أدني احتياجاته الأساسية في ظل ظروف اقتصادية مريرة، وبينما هو كذلك يقع في يده دستور بلاده الذي ينص على ملكية الشعب للأملاك العامة ليقرر أن يبيع المنشآت العامة من أجل أن يحصل المصريين على مستوى حياه أفضل بعدما وكله الناس.
بالرغم من جنونية الفكرة إلا أنها في واقع الأمر رسالة رمزية مبطنة أرادها المخرج أم لم يردها، وفهمها الناس أم لم أم يفهموها، و مفادها أنه من الوجهة القانونية البحتة ( كل ما تدعي الدولة امتلاكه سواء على ظهرها أو في باطنها فهو مملوك ملكية تامة لشعب تلك البلد، وله الحق الحصري والوحيد للتصرف فيه باعتباره هو الوحيد السيد على ممتلكات البلاد)

سيادة الشعب

يقول ماديسون “الاعتماد على الشعب هو السيطرة الأساسية على الحكومة”

ينبني النموذج الحالي للدولة الحديثة على مبدأ مفاده أن الشعب هو السيد وهو ما يطلق عليه مبدأ “السيادة” وعليه يعتبر الشعب هو المصدر الوحيد لكل السلطات.

وهذا المبدأ يقتضي بدوره عنصرين رئيسيين:
١_تقرير المصير الداخلي، فالشعب هو صاحب الحق الحصري والوحيد في اختيار من يمثله.
٢_تقرير مصير خارجي، وهو عدم إمكانية حكم الأجانب لشعب آخر.

المبدأ الأول تقرر مع نهاية الحرب العالمية الثانية والمبدأ الثاني تقرر مع ثورة التحرير الأمريكية عام 1960.
ورغم أن القانون الدولي وهيئاته النافذه من المفترض إنها تتبني تلك المبادئ وتسعي لتحقيقها على أرض الواقع  إلا إنها في حقيقة الأمر تم إقرارها  لغرض أوحد وهو خدمة النظام الرأسمالي الوليد بعد انهيار النظام الإقطاعي في أوروبا، وحاجة الرأسماليين الجدد إلى عمالة كثيرة ومنتجة من ناحية، وإلى كثير من الموارد من ناحية ثانية.
ولأجل خدمة هذا الهدف تم تشكيل منظومة متكاملة سياسية واقتصادية وثقافية وقانونية  بتنا لا نستطيع الفكاك منها حتي الآن.

سلطة القانون وقانون السلطة

يقول  الفيلسوف جاك جان روسو(إذا كان الفساد يتطلب انتهاك القانون ،فإنه بالنسبة إلى أولئك الذين تمثل كلمتهم القانون سيكون غير ذي قيمة )

أوهمت المنظومة الرأسمالية الجديدة الشعوب فى العالمين المتحضر والنامي على حدٍ سواء بعدالة النظام الوليد، ولأجل ذلك أقرت قوانيين دولية تحافظ على حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي، والإمساك بزمام أمورها على كافة النواحي والسبل، إلا أن هذا الكلام يظل في واقع الأمر غير ذي جدوى كبيرة إذا اتضح لنا عدم جدوى تلك القوانين فضلاً عن فاعليتها، فهى في واقع الأمر ليست سوى مسكن قوي لتخدير ثورة الشعوب على واقع مرير يوهمهم بأنه لا زال هناك أمل في الغد بطرق سلمية وآمنة للتغيير.

فعلى سبيل المثال مصطلح (سيادة الدول) الذي يعد إحدى أهم إنجازات النظام الدولي الحديث للحفاظ على حرية الشعوب يعاني من الضبابية وعدم التحديد مما يعرقل بل ويمنع سيادة الشعوب، واستقلال الأمم.وذلك لأن القانون الدولي محدد جدا وبالتالي فإنه يتجاوز أي تعميم ولاسيما إذا كان مدعوماً بسياسات الدول.

فبرغم ما يحويه القانون بصفة عامة من مبادئ نبيلة ،وقيم عليا مجردة بالطبع إلا أن الأشكالية تكمن في تفسيرتلك النصوص وتطبيقها القانوني ، ولاسيما إن كانت متضاربة فيما بينها بحيث لاتعطي معنا حقيقياً لأى قيمة في النهاية.

وعلى سبيل المثال المصطلح القانوني لكلمة دولة تعني فى الفضاء القانوني ؛(إقليم محدد+شعب مستقر+سلطة سياسية حاكمة )، أما فى التطبيق السياسي فنجد الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تعترف ب 195 دولة كدول مستقلة ذات سيادة فقط ،وتصرح (في هذا التصنيف ،مصطلح دولة مستقلة يرجع لشعب منظم سياسياً في دولة ذات سيادة بإقليم محدد ) وبهذا التصريح فإنها تجعل عنصر الشعب هو العنصر الرئيسي في تحديد الدولة ،وعليه تنبنى سيادتها .
أما في الممارسة العملية من جانب الدول فإن النخب تتعامل مع مصطلح (دولة )بأنها النظام الحاكم وفقط ودون أي إعتبار للشعب ،مما يجعل في المحصلة سيادة الشعب سيادة صورية ليس إلا.

ضبابية المصطلح وإشكالية التفسير

إشكالية التلاعب غير البرئ بمصطلحات القانون وتفسيرها يؤدي إلى نتائج كارثية تمتد لقرون، فعلي سبيل المثال تأخذ الأنظمة القروض لانفاقها على أمنها واستقرارها وعلى التسلح، والقوة العسكرية لتدعيم سلطتها، وقمع الشعوب، ثم يتحمل الشعب تلك الديون بفوائدها المركبة من قوت يومه،وعندما ينهار النظام في نهاية المطاف يسدد الشعب فاتورة النظام الفاسد في ظل حاجته لأقل القليل لبناء وتدعيم نظام سياسي جديد وهذا يؤدي بالضرورة إلي تصدع العملية السياسية في البلدان الخارجة من أتون صراعات أهلية أو ثورات ضد المستبدين كما حدث مع مانديلا إبان الثورة علي نظام الابارتهايد .

وما أصدق التعبير الذي وصف به أحد المحللين السياسيين للصراع في الكونغو حينما قال :
“آلاف الكونغوليين ماتوا ،والان يجب على الأحياء أن يدفعوا ثمن الأسلحة التي قتلت أحبتهم”

العدالة العالمية!

تعتبر الحرب العالمية الثانية نقطة فاصلة فى تاريخ العلاقات الدولية، وبانتهائها طويت صفحة الدولة الويستفالية التي بُنيت ابتداءً على مبدأ (الفاعلية) وتشكل نظام دولي جديد وضع العديد من الحواجز القانونية ضد ما كان متاحاً من قبل كانتهاك حقوق الإنسان، واستعمار الدول،  وانتهاك سيادتها.

وبالمقارنة البسيطة بين النظام الحديث والنظام الويستفالي يتبين لنا مدى التقدم والرقي الذي حققه تاريخ التطور الإنساني .
ولكن برغم مثالية القانون الدولي الحديث المكتوب إلا أنه يعاني من عوار كبير ليس في ضبابية تفسير النصوص، وتضارب بعضها فحسب وإنما تتضح الإشكالية الكبرى فى التطبيق على أرض الواقع ليتحول النص القانوني إلى لوحة جميلة لا تمت بصلة لواقع بائس.

ليتضح لنا بعد طول إمعان أن التطور الكبير والاستقرار النسبي الذي حققته الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان مقصوداً له أن يحدث، وأن الحروب العالمية لم تكن سوى وسيلة لتقسيم العالم بموارده وشعوبه على مناطق نفوذ جديدة وذلك لسبب بسيط هو أن النظام الاقتصادي الوليد لم يكن ليحقق أرباح معتبرة للنخب إلا بسلام واستقرار شاملين باستثناء بعض مناطق استخراج بعض الموارد التي أريد لها أن تعاني من فوضي نسبية كي تُهرب مواردها قسراً إلى الدول المنتجة .

وبهذه الكيفية يصبح القانون في حقيقة الأمر ستار سميك يمرر جرائم الأنظمة, ويهدر حقوق الشعوب في العيش الكريم ، ولذلك كما هو الواقع المشاهد في الداخل كما هو في الخارج فإن الأروقة القانونية الدولية لا تحق حقاً ولا تبطل باطلاً إلا إذا امتلك الشعب زمام أمره إبتداءاً كما حدث مع مانديلا وغيره من قادة الثورات الناجحة .

وما أصدق ما قاله الشاعر :

يا من يجادل بالقانون ظالمه

أدانت الروم عيسى بالقوانين

وما الجريمة إلا فعلة حرمت

على العباد وحلت للسلاطين

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

  1. معيااا ورق اعلان وراصه
    من ابي
    الله يرحمو
    وعوز حقي
    انا عندي ٢٣سنه وعلى ٣ بنات
    يارب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق